بقلم: د. شيماء أحمدين
تخيّل أن شخصًا يراقب ما تقرأه، وما تتوقف عنده، وما تتجاهله، والأوقات التي تشعر فيها بالملل، والكلمات التي تثير غضبك، والصور التي تدفعك إلى الشراء. بعد سنوات من المراقبة، قد يعرف عنك أشياء لم تنتبه أنت إليها. لكن ماذا لو لم يكتفِ بمعرفتك، وبدأ يعيد تشكيلك؟
هذا ليس سيناريو مستقبليًّا من فيلم خيال علمي، بل واقع نعيشه اليوم، كل يوم، ومع كل نقرة. نحن في عصر لم تعد فيه الخوارزميات مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت مرايا تعكس لنا صورًا عن أنفسنا، ثم تعيد رسم تلك الصور وفقًا للبيانات التي تجمعها والأهداف التي صُممت لتحقيقها.
١. من فهم السلوك إلى التنبؤ به
كل خطوة رقمية تترك أثرًا محتملًا. كل بحث، وكل إعجاب، وكل مقطع فيديو تشاهده حتى نهايته، وكل لحظة توقف عند منشور معين. بل إن كل تفاعل تسمح المنصة بتسجيله—من أنماط التوقف والتصفح إلى وتيرة النقر والتكرار—قد يصبح إشارة تُستخدم لبناء صورة احتمالية عنك.
تستخدم الخوارزميات هذه الآثار لاستنتاج أنماط سلوكية قد لا تدركها أنت بنفسك. ربما لا تعلم أنك تميل إلى تصفح الأخبار في ساعات الصباح الباكر، حين تكون أكثر تقبلًا لنوع معين من المحتوى، أو أنك تصبح أكثر قابلية للشراء بعد مشاهدة مادة تثير فيك الحنين إلى الماضي. لكن الخوارزمية، عبر تراكم هذه الإشارات، تستطيع تكوين نموذج تنبؤي عنك.
وهنا تكمن النقلة النوعية: الانتقال من مجرد تسجيل السلوك إلى توقعه. وتشير الأدبيات في مجالات علم البيانات والتعلم الآلي إلى أن البيانات الرقمية، بحسب حجمها وطبيعتها وسياق استخدامها، قد تسمح باستنتاج بعض السمات والتفضيلات والسلوكيات بدرجات متفاوتة من الدقة.
لكن هذه النماذج لا «تعرفنا» بالمعنى الإنساني للكلمة؛ فهي لا تفهم دوافعنا أو تجاربنا الداخلية، وإنما تبني احتمالات رياضية استنادًا إلى أنماط متكررة. ومع ذلك، قد تصبح هذه الاحتمالات مؤثرة عندما تُستخدم لتحديد ما سيظهر أمامنا، ومتى سيظهر، وبأي ترتيب.
٢. وهم الاختيار الحر
تصفّح قائمة الأفلام المقترحة على منصة للمشاهدة، أو نتائج البحث في محركك المفضل، أو الإعلانات التي تظهر لك في وسائل التواصل. في كل هذه الحالات، تشعر أنك تختار بحرية.
لكن توقف للحظة: من رتّب هذه القائمة؟ ومن قرر أي النتائج تظهر أولًا وأيها تتراجع إلى صفحات قد لا تصل إليها؟ ولماذا ظهر لك هذا الإعلان بالتحديد، وفي هذا التوقيت دون غيره؟
لا تعني حرية الاختيار بالضرورة أن نرى جميع البدائل الممكنة؛ فهذا أمر غير واقعي حتى خارج العالم الرقمي. لكنها تقتضي، على الأقل، ألا تُخفى البدائل أو تُرتب بصورة توجهنا خفيةً نحو نتيجة محددة دون وعي منا.
نحن في كثير من الأحيان لا نختار ما نراه أولًا، بل نختار من بين ما قررت الأنظمة أن تعرضه علينا. وكلما كان ترتيب الخيارات أكثر تخصيصًا وإقناعًا، أصبح الفصل بين تفضيلاتنا الأصلية والتأثير الخوارزمي أكثر صعوبة.
الخطورة، إذن، ليست في غياب الاختيار تمامًا، بل في أن تصبح البنية التي نختار داخلها غير مرئية لنا.
٣. من التنبؤ بالرغبة إلى صناعتها
هنا نصل إلى المستوى الأعمق والأكثر إثارة للقلق. فالخوارزميات الحديثة لا تكتفي دائمًا بمحاولة معرفة ما نريده، بل قد تسهم—من خلال التكرار والتوقيت وطريقة العرض—في تعزيز رغبات معينة أو تشكيلها.
يحدث ذلك من خلال ما يمكن وصفه بالهندسة العاطفية للانتباه: محتوى يُعرض في لحظة ضعف، وإعلان يظهر بعد فترة من التعب، ومنشور يثير شعورًا بالنقص ثم يقدم منتجًا أو خدمة بوصفها الحل.
والفرق جوهري:
* التنبؤ بالرغبة يعني: «تشير بياناتك إلى أنك تحب القهوة، ولذلك سنعرض عليك منتجات مرتبطة بها».
* أما صناعة الرغبة فتعني: «سنكرر ربط القهوة بالتركيز والراحة والسعادة والانتماء الاجتماعي، حتى تتحول من تفضيل عابر إلى حاجة تشعر بأنك لا تستغني عنها».
لا يعني ذلك أن كل توصية أو إعلان قادر على صناعة رغبة جديدة بصورة حتمية، فالإنسان ليس كائنًا سلبيًّا بالكامل. لكن التعرض المتكرر والموجّه، خاصة عندما يستند إلى معرفة دقيقة بالسياق والحالة النفسية، قد يغيّر الطريقة التي ندرك بها احتياجاتنا.
وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي، تدريجيًّا، من أداة تستجيب لرغباتنا إلى قوة تشارك في صياغتها.
٤. فقاعات التخصيص
من أبرز التداعيات المحتملة لهذه التقنيات ما نسميه «فقاعات التخصيص» أو «غرف الصدى». فبما أن كثيرًا من الخوارزميات تُصمم لتعزيز المحتوى الذي تتوقع أننا سنفضله، فإنها قد تميل إلى عرض نسخة من العالم تؤكد ما نؤمن به، وتُقلص تدريجيًّا حضور ما يخالفه.
تخيل أنك مهتم بموضوع سياسي أو اجتماعي معين. إذا تفاعلت باستمرار مع المحتوى المؤيد لوجهة نظرك، فقد تعرض لك المنصة مزيدًا منه، لأنه أثبت قدرته على جذب انتباهك. وفي المقابل، قد يتراجع ظهور الآراء المخالفة، لا لأنها غير موجودة، بل لأن النظام يتوقع أنك أقل ميلًا للتفاعل معها.
وبمرور الوقت، قد تبدو لك رؤيتك الشخصية وكأنها الرؤية الوحيدة المنطقية أو السائدة. وقد تتراجع قدرتك على فهم المختلفين عنك، لا لأن حججهم اختفت، بل لأنك لم تعد تراها بالقدر نفسه.
لا يعني ذلك أن كل تخصيص يقود بالضرورة إلى الاستقطاب؛ فالتخصيص قد يساعدنا أيضًا في الوصول إلى محتوى مفيد وسط فيض هائل من المعلومات. لكن الخطر يظهر عندما يصبح تعظيم التفاعل هو الهدف الغالب، دون موازنة كافية مع التنوع المعرفي وجودة المحتوى والمصلحة العامة.
٥. الهوية الخوارزمية
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجًا: إذا كانت الخوارزمية تعاملني باستمرار كما لو أنني شخص معين، فهل أصبح ذلك الشخص مع الوقت؟
تبني المنصات عنا ملفات احتمالية تستند إلى تاريخنا الرقمي: ما نفضله، وما نرفضه، وما نتفاعل معه، وما نتجاوزه. ثم تعرض علينا محتوى يتوافق مع هذه الصورة. وعندما نتفاعل معه، نرسل إليها إشارة جديدة تؤكد افتراضاتها السابقة.
وهكذا تنشأ دائرة متكررة:
سلوك سابق ← تصنيف خوارزمي ← محتوى مخصص ← سلوك جديد يعزز التصنيف.
تكمن المشكلة في أن الإنسان أوسع من سجله الرقمي. نحن نتغير، ونتناقض، ونعيد التفكير، ونكتشف اهتمامات جديدة. أما النموذج الخوارزمي فقد يحبسنا داخل نسخة مبسطة من ذواتنا، مبنية على ما فعلناه بالأمس.
وحين تستمر المنصة في معاملتك وفق هذه النسخة، قد تبدأ أنت أيضًا في رؤية نفسك من خلالها. تصبح اهتماماتك محصورة فيما تقترحه عليك، وآراؤك أكثر التصاقًا بما تؤكده لك، وهويتك أقرب إلى الانعكاس الرقمي الذي تكوّن من آثار خطواتك السابقة.
نحن لا نستخدم المنصات فقط؛ فالمنصات، بدورها، تؤثر في الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم المحيط بنا.
٦. استعادة السيادة الذهنية
هل يعني ذلك أن الموقف ميؤوس منه؟ بالطبع لا. فالخوارزميات لا تلغي الإرادة الإنسانية، لكنها تجعل ممارستها الواعية أكثر صعوبة. واستعادة الحرية في البيئة الرقمية تتطلب وعيًا وجهدًا وممارسة مستمرة.
أولًا: الوعي بمنطق التوصيات
اسأل نفسك: لماذا عُرض عليَّ هذا المحتوى؟ هل هو مهم فعلًا، أم أنه اختير لأنه الأكثر قدرة على جذب انتباهي وإبقائي داخل المنصة؟
ثانيًا: تنويع مصادر المعرفة
ابحث عن آراء مخالفة، واقرأ خارج دائرة اهتماماتك المعتادة، ولا تكتفِ بالمحتوى الذي يصل إليك تلقائيًّا. فالتنوع المعرفي لا يحدث دائمًا من تلقاء نفسه؛ أحيانًا يجب أن نسعى إليه عمدًا.
ثالثًا: مراجعة إعدادات الخصوصية والتخصيص
يمكن لتقليل جمع البيانات، أو تعطيل بعض خصائص التخصيص، أو حذف سجل النشاط دوريًّا، أن يحد من دقة الملف الرقمي الذي تبنيه المنصات، وإن كان لا يمنع التتبع أو التخصيص بصورة كاملة.
رابعًا: الفصل بين التوصية والقرار
لا تجعل ظهور منتج أو فكرة أو محتوى أمامك سببًا كافيًا لاختياره. توقف قليلًا، وابحث عن بدائل، واسأل نفسك: هل كنت سأرغب في هذا الشيء لو لم يُعرض عليَّ بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت؟
خامسًا: خلق مساحات خارج الخوارزمية
خصص وقتًا للقراءة من كتاب تختاره بنفسك، أو لمحادثة بشرية غير موجهة، أو للتأمل دون شاشة، أو للبحث عن موضوع لم تقترحه عليك أي منصة.
سادسًا: التوقف الدوري عن الاستهلاك الرقمي
يمنح الابتعاد المؤقت عن التدفق المستمر للمحتوى العقل فرصة لاستعادة إيقاعه، والتمييز بين الرغبات الأصيلة والرغبات التي عززها التكرار والتعرض المستمر.
الخاتمة
ليست المشكلة أن الخوارزميات تعرف بعض جوانبنا، بل أن تتحول هذه المعرفة الاحتمالية إلى قوة تعيد تشكيلنا بهدوء، ثم تقنعنا بأن الصورة التي رسمتها لنا هي صورتنا الكاملة والحقيقية.
المشكلة أن ننسى وجود عوالم أخرى خارج قوائم التوصيات، وآراء أخرى خارج دائرة الإعجابات، وخيارات أخرى خارج ما تقرر المنصات عرضه علينا.
الحرية اليوم لم تعد مجرد حق في الاختيار، بل أصبحت قدرة على رؤية البدائل، والخروج من الفقاعة، والتساؤل بدلًا من الاستهلاك، وصناعة رغباتنا بدلًا من استقبالها جاهزة.
إذا كانت الخوارزمية تعرف أيَّ باب يُرجح أن تفتحه قبل أن تراه، فهل ما زلت أنت من اختار الدخول؟
السؤال ليس فلسفيًّا فحسب؛ إنه عملي ويومي وملحّ. وإجابتنا عنه تحدد ما إذا كنا سنظل سادة قراراتنا، أم نتحول تدريجيًّا إلى أشخاص يعيشون داخل سِيَر رقمية صاغتها عنهم أنظمة لا تعرف حقيقتهم، لكنها تعرف جيدًا كيف تجذب انتباههم.



