كتب – جودة عبد الصادق
الأسرة أمانة، والبيت الذي يجمع الزوج والزوجة ليس ساحة للتهديد أو تبادل الوعيد، ولذلك فإن تحويل كلمة «الطلاق» إلى وسيلة للضغط أو التخويف أو إجبار الطرف الآخر على تنفيذ أمر معين من العادات الخطيرة التي ينبغي الابتعاد عنها.
فالطلاق في الشريعة الإسلامية ليس كلمة عابرة تُقال في لحظة غضب، ولا سلاحًا يستخدمه الزوج كلما اشتد الخلاف، وإنما هو أمر له آثاره الشرعية والاجتماعية الكبيرة، ولذلك ينبغي أن يتعامل المسلم معه بمنتهى المسؤولية والحذر.
الحلف بالطلاق ليس وسيلة للتهديد
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الأزواج استخدام عبارات مثل: «عليّ الطلاق ما تعمل كذا» أو «عليّ الطلاق لو فعلت كذا…»، ثم تكرار هذه العبارات عند كل خلاف أو مشكلة.
وهذه الطريقة في التعامل مع الخلافات الزوجية تفتح بابًا خطيرًا؛ لأنها تجعل لفظ الطلاق حاضرًا في كل نقاش، وتحوّل الحياة الزوجية من مساحة للمودة والرحمة إلى حالة دائمة من الخوف والقلق.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
سورة الروم – الآية 21.
فالزواج في أصله سكن ومودة ورحمة، وليس تهديدًا وخصومة مستمرة.
الغضب ليس مبررًا للتلاعب بكلمة الطلاق
قد يقع الإنسان في الغضب، وقد يندم بعد أن يهدأ، لكن الغضب لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتكرار ألفاظ الطلاق في كل مشكلة.
والأصل أن يحاول الزوجان السيطرة على الانفعال، وتأجيل النقاش عند اشتداد الغضب، والاستعانة بالحوار الهادئ بدلًا من إطلاق كلمات قد تكون لها آثار شرعية لا يمكن التراجع عنها بمجرد قول: «كنت غضبانًا».
الطلاق ليس لعبة ولا كلمة عابرة
ومن أخطر ما في الاعتياد على الحلف بالطلاق أن الإنسان قد يفقد الإحساس بخطورة اللفظ مع كثرة ترديده، فيصبح الطلاق جزءًا من لغة الحياة اليومية.
وهنا يجب أن يتذكر المسلم أن الطلاق له أحكام شرعية دقيقة، وأن الحكم يختلف باختلاف اللفظ والنية والظروف والملابسات، ولذلك لا يجوز التعامل مع المسألة من خلال إجابات عامة أو فتاوى متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي حالة وقوع لفظ الطلاق بالفعل، يجب الرجوع إلى دار الإفتاء المصرية أو أحد العلماء الموثوقين لعرض الواقعة بكل تفاصيلها، وعدم الاعتماد على الاجتهاد الشخصي في تقرير وقوع الطلاق من عدمه.
كيف نحافظ على بيوتنا؟
عندما يقع الخلاف بين الزوجين، فهناك وسائل كثيرة للإصلاح قبل الوصول إلى كلمة الطلاق، منها:
- الهدوء وعدم اتخاذ قرارات أثناء الغضب.
- اختيار وقت مناسب للحوار.
- الابتعاد عن التهديد والوعيد.
- عدم إدخال الأبناء في الخلافات الزوجية.
- الاستعانة بأهل الحكمة والخبرة عند تعقد المشكلة.
- اللجوء إلى أهل العلم الموثوقين عند وجود مسألة شرعية تتعلق بالطلاق.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى الإصلاح عند تفاقم الخلاف، فقال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾
سورة النساء – الآية 35.
كلمة أخيرة
لا تجعل كلمة الطلاق على لسانك في كل خلاف.
فالكلمة التي تُقال في لحظة غضب قد تترك أثرًا عميقًا في قلب الزوجة والأبناء، وقد تفتح بابًا من المشكلات لا ينتهي بسهولة.
والبيت الناجح لا يخلو من الخلاف، لكنه يعرف كيف يختلف أفراده دون إهانة أو تهديد أو ترويع.
اجعلوا الطلاق آخر الحلول، وليس أول سلاح في الخلاف، واحفظوا بيوتكم بالكلمة الطيبة، والصبر، والحوار، والرحمة.
اللهم أصلح بيوت المسلمين، وألّف بين القلوب، وارزق الأزواج والزوجات السكينة والمودة والرحمة، واحفظ أبناءهم من آثار الخلافات. آمين.


