بقلم أ. د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة
تناولنا في المقالات السابقة ثلاثة من أبرز التحديات التي تواجه شباب الباحثين في الجامعات المصرية، وهي محدودية الموارد المالية اللازمة لإجراء البحوث العلمية، والارتفاع المستمر في تكاليف النشر العلمي الدولي في الدوريات والمجلات المفهرسة في قواعد البيانات العالمية، مثل Scopus وWeb of Science، فضلًا عن ضعف مهارات الكتابة الأكاديمية لدى نسبة من الباحثين، ولا سيما في المراحل الأولى من مسيرتهم البحثية.
وفي هذا المقال نتناول تحديًا رابعًا، أراه في الحقيقة حجر الزاوية في مجموعة هذه المقالات، وهو ضعف الارتباط بين موضوعات الرسائل العلمية واحتياجات المجتمع الحقيقية والأولويات الوطنية. فالقيمة الحقيقية للبحث العلمي لا تعتمد على اختيار منهجية سليمة وكتابة رصينة وفقط، ولا حتى بعدد الأبحاث التي يتم نشرها في دوريات دولية مرموقة وتكون مستخرجة من الرسالة، وإنما الأهم من كل ذلك هو قدرة هذه الرسالة على إنتاج معرفة جديدة مع تقديم حلول لمشكلة اجتماعية واقعية، أو تطوير صناعة أو منتج أو خدمة، أو دعم عملية صنع القرار، بما يسهم في النهاية في تحقيق التنمية وتحسين جودة حياة المواطنين.
والمشكلة الحقيقية وراء هذا الضعف في الربط مع احتياجات المجتمع تكمن في اختلال التوازن، وفي غياب منظومة واضحة تحدد الأولويات البحثية وتتابع تنفيذها، وبالتالي ضمان توجيه نسبة مناسبة من الجهد البحثي نحو المشكلات ذات الأولوية بالنسبة للمجتمع والدولة. فغالبية الرسائل العلمية في مصر تتضمن إما موضوعات نظرية بحتة بعيدة عن المشكلات الواقعية التي يواجهها المجتمع، أو موضوعات تطبيقية بالفعل، لكنها لا ترتبط بالضرورة بالأولويات الوطنية أو باحتياجات المؤسسات والقطاعات الإنتاجية والخدمية. وفي بعض الأحيان يتم اختيار الموضوعات البحثية بناء على سهولة التنفيذ، أو سهولة الحصول على البيانات، أو لأن المشرف سبق له العمل في موضوع الرسالة وبالتالي من السهل استكمال ما بدأه، أو لأن هناك عددًا كبيرًا من الدراسات في هذا الموضوع، وليس بالضرورة ان يكون الموضوع مرتبطًا بمشكلة ملحة تستحق الدراسة.
وهناك عدة أسباب لهذه الظاهرة، ويأتي في مقدمتها ضعف التوجيه المؤسسي للباحثين عند اختيار الموضوعات والنقاط البحثية. فعلى الرغم من وجود خطط بحثية لدى غالبية الأقسام العلمية والكليات في الجامعات المصرية، فإن موضوعات الرسائل العلمية قد لا تتوافق مع موضوعاتها ومحاورها أو تسهم في تنفيذها. وفي كثير من الحالات يظل اختيار موضوع الرسالة خاضعًا بدرجة كبيرة للاتفاق بين الباحث والمشرف الرئيسي على الرسالة، دون وجود آلية مؤسسية واضحة تربط هذا الاختيار بالخطة البحثية للقسم أو الكلية أو الجامعة، أو بالأولويات البحثية للدولة واحتياجات المجتمع.
ولا تكمن المشكلة فقط في غياب وجود آلية لإلزام الباحثين بالخطة البحثية، وإنما أيضًا في غياب آليات المتابعة والتقييم. فالخطط البحثية تتضمن محاور وأهداف محددة، ولكن لا تقيس الكثير من الجامعات مدى الالتزام بالخطط من خلال مؤشرات أداء واضحة تسمح بقياس مدى تنفيذها، وما تم إنجازه منها، وما لم يتم إنجازه، وأسباب التعثر، ومدى توافق الرسائل العلمية التي تم تسجيلها مع المحاور البحثية المستهدفة.
أما السبب الثاني فيتمثل في ضعف الحوافز المادية والمعنوية الموجهة نحو تشجيع الباحثين على اختيار موضوعات ترتبط بحل مشكلات المجتمع. فالباحث الشاب في بداية مسيرته الأكاديمية غالبًا ما يبحث عن الحوافز الأكاديمية المالية والأدبية، وبالتالي قد يكون من الجيد تخصيص جوائز لأفضل رسالة ماجستير أو دكتوراه قدمت حلًا قابلًا للتطبيق لمشكلة مجتمعية أو اقتصادية أو صناعية أو بيئية.
السبب الثالث يرتبط بضعف ثقة أصحاب المصلحة في قدرة المؤسسات الأكاديمية على تقديم حلول عملية للمشكلات التي تواجههم، فالصناعة، والقطاع الخاص، ومؤسسات الدولة، والمجتمع المدني، وغيرها من الجهات التي تواجه مشكلات يومية تحتاج إلى حلول علمية، لا تحرص على وجود قنوات واضحة للتواصل مع الجامعات والباحثين بسبب عدم الثقة في قدرة المخرجات البحثية على حل المشكلات التي يواجهونها. وقد أدى ذلك إلى ضعف مساهمة هذه الجهات في تمويل البحث العلمي، وهو ما أشرنا إليه في مقال سابق، كما أدى في الوقت نفسه إلى ضعف مشاركة هذه المؤسسات في تحديد الأولويات البحثية التي تحتاج إليها. هذا الأمر تسبب في مشكلة معقدة تمثلت في أن المؤسسات لا تقوم بدورها في تمويل البحث العلمي لأنها لا تقدر العائد المتوقع منه، والباحثون بدورهم لا يوجهون أبحاثهم بالقدر الكافي نحو احتياجات هذه المؤسسات بسبب ضعف التواصل معها، فتظل الفجوة قائمة بين الطرفين. والخروج من هذه الدائرة يتطلب بناء ثقة متبادلة تقوم على مشروعات مشتركة ونتائج قابلة للقياس، وليس فقط على توقيع مذكرات تفاهم أو عقد مؤتمرات وندوات.
هناك عدد آخر من الأسباب التي أثرت على مدى الترابط بين البحث العلمي لشباب الباحثين واحتياجات المجتمع سنتناولها في مقالات قادمة، مع تقديم تصور للحلول لتضييق الفجوة بين البحث العلمي والأولويات المجتمعية.



