بقلم د. شيماء أحمدين
عن أولئك الذين لا يسألون الناس إلحافًا
يأخذنا التعاطف الإنساني في منحنيات عجيبة، وكثيرًا ما ننخدع بظواهر الأمور.
نسمع الصوت الأعلى، ونلتفت إلى الشكوى الأكثر وضوحًا، وربما نظن ـ دون أن نشعر ـ أن من يستطيع التعبير عن ألمه هو الأكثر حاجة إلى العون.
لكن هناك عالمًا آخر أكثر صمتًا.
عالم أناس قد تمر بجوارهم فلا تعرف مقدار ما يحملون؛ لأنهم أتقنوا الوقوف بينما تتداعى أشياء كثيرة في داخلهم.
وقد وصف القرآن الكريم حال طائفة من المتعففين بقوله تعالى:
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾
[البقرة: 273]
والآية في سياقها تتحدث عن فقراء متعففين، وقد جعل تعففهم حاجتهم غير ظاهرة لمن لا يعرف حالهم، بينما يمكن الاستدلال عليهم بسيماهم وأحوالهم.
ولعل في هذا المعنى تذكيرًا إنسانيًا أوسع:
ليست كل حاجة معلنة، وليس كل ألم قادرًا على الكلام.
حين تقول «الحمد لله» أكثر من شيء
ليس كل من قال: «أنا بخير» بخير تمامًا.
قد تسأل إنسانًا عن حاله، فيبتسم ويقول:
«الحمد لله.»
وقد تكون «الحمد لله» أصدق كلمة نطق بها.
فهو يحمد الله حقًا.
لكنه ربما، في اللحظة نفسها، متعب.
وربما يخوض في داخله معركة لا يريد أن يضعها على أكتاف الآخرين.
وربما تحبس عيناه دمعة لأنه لا يريد أن تتحول حاجته إلى شكوى، أو ألمه إلى طلب.
ليس كاذبًا.
وليس بالضرورة أنه يريد منك أن تستخرج منه اعترافًا بما يؤلمه.
إنه فقط إنسان قد يحتاج إلى أن ننتبه إلى أن الكلمات لا تحكي دائمًا القصة كاملة.
الأعلى صوتًا ليس بالضرورة الأشد احتياجًا
وفي المقابل، قد تقابل شخصًا يستطيع التعبير عن كل ما يزعجه بسهولة، ويشارك تفاصيل أزماته، ويطلب المساعدة بوضوح.
وهذا لا يعني أنه غير محتاج.
كما أن الصمت لا يعني أن صاحبه أكثر استحقاقًا.
فالناس يختلفون في قدرتهم على التعبير، وفي طريقتهم في مواجهة الضيق.
المشكلة تبدأ حين نجعل القدرة على الشكوى معيارًا للحاجة.
فنمنح انتباهنا كله لمن يستطيع أن يطلبه، بينما قد يبقى شخص آخر خارج مجال رؤيتنا فقط لأنه لا يعرف ـ أو لا يريد ـ أن يرفع صوته.
غالبًا نسمع الأعلى صوتًا.
لكن الأعلى صوتًا ليس دائمًا الأشد ألمًا.
لا تكتفِ بالأذن
لذلك، حين تسأل عن الحال، لا تكتفِ بما تقوله الألسنة.
راقب العيون أيضًا.
وانتبه إلى الصمت.
وإلى التردد.
وإلى التغير الذي تعرف أنه ليس معتادًا.
وإلى حال الإنسان كما تستطيع أن تراها دون اقتحام أو افتراض.
لكن لا تجعل «قراءة العيون» يقينًا.
فنحن قد نسيء الفهم.
وقد يكون الصامت بخير فعلًا، وقد يكون كثير الشكوى في حاجة حقيقية إلى من يسمعه.
البصيرة ليست أن ندّعي معرفة ما في النفوس.
بل أن نترك في وعينا مساحة لاحتمال أن الكلمات ليست كل شيء.
بعض المحتاجين لا يطرقون الأبواب
بعض الناس إذا اشتدت حاجتهم طلبوا.
وبعضهم إذا اشتدت حاجتهم ازدادوا صمتًا.
لا يطرقون الأبواب.
لا يكررون السؤال.
ولا يعرضون ضعفهم بسهولة.
وقد لا ينتظرون منك أن «تكتشفهم» أصلًا.
لكنهم يحتاجون إلى شيء أكثر رقة:
قلب ينتبه دون أن يقتحم.
وهنا تصبح المساعدة نفسها فنًا.
فليس كل عطاء يحفظ الكرامة بالطريقة نفسها.
لا تجعل المساعدة امتحانًا للاعتراف بالحاجة
أحيانًا نسأل شخصًا نعرف أنه يمر بظرف صعب:
«هل تحتاج شيئًا؟»
فيجيب فورًا:
«لا، الحمد لله.»
فنعتبر الإجابة نهاية الحديث.
لكن بعض الناس يجدون قول «نعم، أحتاج» أصعب من الحاجة نفسها.
ولذلك قد يكون الأسلوب الأكثر رفقًا:
«أريد أن أقف معك في هذا الأمر، ما الطريقة التي تريحك؟»
الفرق صغير في الكلمات، لكنه كبير في المعنى.
في السؤال الأول نطلب منه أن يعلن حاجته.
وفي الثاني نعلن نحن استعدادنا للوقوف معه، ثم نترك له حرية تحديد المساحة التي يرتاح إليها.
وهنا لا تصبح المساعدة منّة.
ولا اقتحامًا.
ولا امتحانًا لمدى قدرته على الاعتراف بضعفه.
بل مشاركة تحفظ له حقه في القرار.
فقه الكرامة في العطاء
أحيانًا لا يحتاج المتعفف إلى أن «نكتشف» حاجته أمامه.
ولا إلى أن نضعه في موقف يضطر فيه إلى شرح ظروفه حتى يثبت أنه يستحق المساعدة.
أرقى العطاء أحيانًا ليس أن تسأل المحتاج عمّا يحتاجه، بل أن تعرف كيف تساعده دون أن تجعله يدفع ثمن المساعدة من كرامته.
قد تكون المساعدة في صورة فرصة.
أو هدية.
أو مشاركة في مسؤولية.
أو كلمة تفتح بابًا دون أن تدفعه إلى الدخول.
أو حضور صادق يقول:
«أنا هنا، بالطريقة التي تريحك.»
فالكرامة ليست عائقًا أمام العطاء.
بل ينبغي أن تكون جزءًا من طريقة تقديمه.
حين تجيب العين قبل اللسان
ليس كل صامت مستغنيًا.
وليس كل كثير الشكوى أولى بالعون.
وبين الاثنين نحتاج إلى بصيرة لا تتهم، وقلب لا يقتحم، ويد تمتد دون أن تجرح كرامة من تمسك بها.
وحين تسأل أحدهم:
«كيف حالك؟»
لا تجعل أذنيك وحدهما تنتظران الإجابة.
استمع إلى كلماته.
وانتبه إلى صمته.
وإلى ما تستطيع أن تراه من حاله دون افتراض أو اقتحام.
فقد يقول اللسان:
«الحمد لله.»
ويكون صادقًا تمامًا.
بينما تقول العين في صمت:
«الحمد لله دائمًا… لكنني متعب.»
وبعض المحتاجين لن يطرقوا بابك مهما اشتدت حاجتهم.
لذلك لا تنتظر دائمًا أن يُطلب منك العطاء.
فأحيانًا يكون أجمل المعروف ذلك الذي يصل إلى صاحبه قبل أن يضطر إلى السؤال، ويحفظ له كرامته كما يحاول أن يخفف عنه حاجته.



