د. سلمى أرباب
إيزيس… عَرْش العِشْقِ وسِرُّ القُوَّةِ المستَتِرَة
إن جوهر فلسفة القوة النسائية لم يكن يوماً مرهوناً بارتداء زي المحارب أو الجلوس على عرش السلطة؛ فالمرأة المصرية القديمة كانت تُلقب بـ «نَبَتْ بِيرْ» أي (ربة المنزل)، وهي مكانة لم تكن مجرد وصف، بل دور ذو قدسية وإدارة عميقة للتوازن النفسي والروحي للرجل .
وبطلة حديثنا اليوم، إيزيس، كانت تجسيداً لهذه القوة المستترة؛ فأوزوريس، ملكها وزوجها، لم يسترد حقه ولم يصبح ملكاً للعالم الآخر إلا لأن إيزيس كانت تقف خلفه. لم تتصدر المشهد لتبسط نفوذها عليه أو تلغي وجوده، بل كانت حصنه المنيع، وسنده، والدافع الذي أعاد إليه الحياة بعد الانهيار. إنها النموذج المثالي للمرأة التي تجعل رجلها غير قابل للهزيمة؛ بحبها ودعمها تمنحه القوة، وبدون هذا السند يغدو هشاً.
إن دهاء المرأة وعاطفتها إذا اجتمعا لصالح رجل، كانا بمثابة “الدينامو” لحياته والنور لقراراته، ولا يستقيم له شعور بالسكينة إلا وهي معه وأمامه… فتستقيم به الحياة، وإن تخلت عنه تداعت كل حصونه. وهنا يطرح التاريخ علينا السؤال الأهم والأعمق:
خلف أبوابنا المغلقة اليوم… كم إيزيس حقيقية تعيش بيننا؟
فعندما تُغلق تلك الأبواب، وبعيداً عن صخب العالم وصراعاته، تتجلى الحقيقة الأعمق…
إن كل رجلٍ — مهما بلغت قوته، ومهما ارتدى من دروع الصلابة في معارك يومه — يحتاج حين يطأ أعتاب مملكته أن يجد “إيزيسه” الخاصة في انتظاره.
يحتاجها لا لتنازعه عرشه، ولا لتلغي قيادته، بل لتكون سكنه الأبدي… تنتظره لتستقبل تعبه بلطف، ولـ “تعيد ترتيب نبضه”.
يحتاج إلى تلك الأنثى التي تعرف متى تبث في روحه الأمان، وكيف تحيل شتاته إلى سكينة؛ فترمّم بلمسةٍ حانية ما هدمته الأيام، وتنفخ في شغفه الحياة كما نفخت إيزيس بجناحي عشقها الحياة في روح أوزوريس.
يحتاج الرجل إلى الحصن الذي يخلع عنده كل أقنعته وأحماله، مطمئناً إلى أنه أمام أنثى تحميه بحبها، وتمنحه اليقين بأنه غير قابل للهزيمة. فالرجل لا يكتمل نصرُه في الخارج، إلا إذا وجد في الداخل ملكةً تجيد فن الاحتواء، وتصنع من الحب دواءً، ومن الوفاء ملاذاً يسعه كلما ضاقت عليه الحياة.
مِنْ جَنَاحَيْ «إِيزِيسْ» إِلَى دِرْعِ النِّدِيَّةِ
مع تقلب السنين وصخب الحياة المعاصرة، تسربت الجاذبية القاسية للمادية والمنافسة إلى القلوب؛ فتراجعت صورة “إيزيس” الداعمة، والمحاربة مع رجلها ضد انكسارات العالم، لتظهر مكانها سلوكيات تُجرد الأنثى من سحرها الداخلي.
لم تعد الحرب التي تخوضها بعض إناث اليوم في ساحات الحياة الخارجية، بل انتقلت المعركة إلى الداخل… خلف الأبواب المغلقة! تحولت المحاربة من سندٍ يطفئ مخاوف “أوزوريس” ويحمي عرشه، إلى محاربةٍ لآماله وأفكاره؛ تثبط همته بكلمات الإحباط، وتزرع في رأسه الشكوك والتردد، وتدفعه نحو الركون والسكون بدلاً من النهوض والتحليق.
إن التحول الأخطر في سلوكيات العصر هو استبدال “الاحتواء” بـ “الندّية”؛ حيث غاب الفهم العميق للقوة الناعمة التي كانت تمتلكها الملكات القدامى. نسيت أنثى اليوم أن قوتها لم تكن يوماً في رفع السيف في وجه شريكها، بل في كونها الملاذ الذي يضع عنده سيفه ليستريح! وحين تحولت العلاقة من “سكن وتكامل” إلى “صراع وسيادة”، فقدت الأنثى أثمن ما تملك: قدرتها على إحياء روح الرجل، وإعادة ترتيب نبضه، ودفعه ليكون بطلاً في عين العالم.
إن الرجل المعاصر لم يتغير في جوهر احتياجه؛ فهو ما زال يخرج كل يوم ليحارب آلاف المعارك، لكنه حين يعود، يتمنى أن يجد “إيزيس” تعيد ترميم روحه… لا نداً يفتح معه جبهة حرب جديدة!
عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ السَّكَنُ إِلَى قَفَصٍ… وَيَبْحَثُ «أُوزُورِيسْ» عَنْ جَنَاحَيْنِ
وفي أعمق زوايا تلك الأبواب المغلقة، تنشأ المأساة الصامتة؛ حين يتحول الزواج من رحلة حبٍّ وشغف إلى حالةٍ من “التسليم والاستمرار الإجباري”. كم من علاقاتٍ يستكمل فيها الطرفان الطريق لمجرد أنهما تعبا في بناء الجدران، فتصبح الحياة عِشرة ثقيلة يُساق إليها العقل بالواجب، لا بالقلب والشغف!
أمام غياب الاحتواء، واختلاط الأدوار، وتحوّل الأنثى إلى ندّ يثقل الكاهل بدلاً من أن يخفف وطأة العالم، يتخذ الكثير من الرجال قراراً حزيناً بالبقاء الظاهري… استكمال الطريق للحفاظ على ما تم بناؤه، ولكن بروحٍ تعيش في مكانٍ آخر!
وهنا تتجلى حقيقة إنسانية أزلية: الرجل لا يستطيع أن يعيش دهرَه مجرداً من السكينة.
إن الرجل قادرٌ دوماً — بحكم فطرته وتوقه للأمان — على البحث عن “إيزيسه” الخاصة؛ تلك الأنثى التي تعيد إليه شعور الفرح بوجوده، وتضفي على كيانه هيبةً ودفئاً غير عاديين. امرأةٌ يجد معها المساحة ليخلع دروعه، وليحلق بجناحيها في سماءٍ من الفهم والقبول، قبل أن يعود مرغماً إلى قفصه الأول.
ومن هنا تحديداً… من هذا الفراغ الروحي القاتل، يُفتح الباب على مصراعيه لـ أحد أخطر وأهم أسباب “الزواج الثاني”. فالرجل في الغالب لا يهرب من بيته بحثاً عن امرأةٍ أخرى كـ “جسد”، بل يهرب بحثاً عن “إيزيس” تُحيي فيه الرجل، وتمنحه ملاذاً يعيد ترتيب نبضه الذي أطفأته جدران القفص!
بَيْنَ سَكَنِ الرُّوحِ وَطَوْقِ النَّجَاةِ
إنَّ العدلَ يقتضي ألا نزنَ مشاعرَ القلوبِ بميزانِ الأحكامِ القاسية؛ فليسَ كلُّ زواجٍ ثانٍ خيانةً، ولا كلُّ ابتعادٍ عن الجفافِ نكراناً للجميل.
في كثيرٍ من الأحيان، يكونُ ذاكَ الرباطُ السامي بمثابةِ “طوقِ نجاةٍ” ومرفأ أمان؛ رجلٌ يعودُ لإحياءِ نبضه بعدما أضناهُ الشتاتُ وافتقدَ التقديرَ في مكانٍ أفنى فيهِ أكثرَ من نصفِ عمرهِ، وامرأةٍ فاضت أنوثتها بالحب لتكون “إيزيس” الخاصة، التي تمنحه السكن وتلتقي بأوزوريسها الذي يرى فيها الملكة والروح.
إن الحب الحقيقي لا يُهدم القلاع المسكونة بالعدل، بل يمنح الرجل القوة ليحتضن الحياة ويكون سَكَنًا لكل من حوله. فسلامٌ على كل امرأةٍ أدركت أن قوة الأنوثة في الاحتواء، وعلى كل “إيزيس” استطاعت بأصلها ودفئها أن تجعل من بيتها عرشاً للسكينة، وملاذاً لا يزول.


