كتب: جودة عبد الصادق
لم تعد موجات الحر الشديدة مجرد ظواهر جوية عابرة، بل باتت واحدة من أبرز علامات تسارع التغير المناخي، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد حياة البشر وصحتهم واقتصادات الدول وسبل عيش الملايين، بالتزامن مع تصاعد وتيرة الفيضانات وحرائق الغابات والظواهر الجوية المتطرفة في مناطق مختلفة من العالم.
وحذرت الأمم المتحدة من أن كل زيادة إضافية في درجات حرارة الأرض ستكون لها تكلفة بشرية واقتصادية وبيئية متزايدة، مؤكدة أن التحرك المناخي السريع لا يزال قادرًا على الحد من حجم المخاطر، وإبقاء تجاوز حاجز 1.5 درجة مئوية في أضيق نطاق وأقصر مدة ممكنة.
الأمم المتحدة تحذر من كلفة الاحترار العالمي
ووفقًا لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن موجات الحر غير المسبوقة والفيضانات المدمرة وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة تعكس واقع كوكب يزداد احترارًا، وتكشف المخاطر المتصاعدة المرتبطة بتجاوز الحدود الآمنة لارتفاع درجات الحرارة.
وأشار التقرير إلى أن مضاعفة الجهود المناخية في الوقت الراهن يمكن أن تساعد في تجنب الوصول إلى مستويات أكثر خطورة من الكارثة المناخية، داعيًا إلى تسريع الإجراءات الرامية إلى خفض الانبعاثات وحماية الأنظمة الطبيعية.
جوتيريش: ما يحدث اليوم إنذار لما ينتظرنا غدًا
من جانبه، حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، من خطورة موجات الحر الشديدة التي اجتاحت أجزاء واسعة من نصف الكرة الشمالي خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب حرائق الغابات الهائلة والفيضانات المدمرة، معتبرًا أن هذه الأحداث تمثل إنذارًا واضحًا لما قد يحمله المستقبل إذا استمر ارتفاع درجات الحرارة بالمعدلات الحالية.
وأكد جوتيريش أن اتفاق باريس للمناخ لعام 2015 تضمن تعهد قادة العالم بالحفاظ على ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية عند حدود 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو الحد الذي يعتبره العلماء بالغ الأهمية للحد من أسوأ تداعيات تغير المناخ.
وشدد الأمين العام للأمم المتحدة على أن العالم لا يفي حتى الآن بهذا التعهد، محذرًا من أن تجاوز هذا المستوى قد يحدث خلال السنوات المقبلة.
وقال جوتيريش إن النضال من أجل الحفاظ على حد 1.5 درجة مئوية هو في جوهره نضال من أجل الإنسانية، مؤكدًا أن كل جزء إضافي من درجة الحرارة سيؤدي إلى المزيد من الخسائر في الأرواح، وتدمير سبل العيش، وزيادة حدة عدم المساواة، فضلًا عن دفع النظم البيئية نحو أضرار قد يتعذر إصلاحها.
التحول إلى الطاقة النظيفة ضرورة وليست رفاهية
ودعا جوتيريش إلى تسريع التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، والتوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، والعمل على خفض انبعاثات غاز الميثان بصورة كبيرة، إلى جانب حماية الأراضي والغابات والمحيطات.
كما شدد على ضرورة أن ترفع الحكومات مستوى التزاماتها في خططها المناخية الوطنية، وأن تعزز تعهداتها لتحقيق الحياد الكربوني، مع زيادة تمويل جهود التكيف مع تغير المناخ، وضمان وصول الدعم إلى المجتمعات والفئات الأكثر تعرضًا للمخاطر.
موجات الحر تهدد صحة الإنسان
وحذرت إنجر أندرسن، الأمينة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، من استمرار ارتفاع درجات الحرارة، مؤكدة أن موجات الحر الشديدة التي يشهدها العالم تثبت أن آثار تغير المناخ باتت تضرب بصورة أسرع وأقوى ولفترات أطول.
وأوضحت أن استمرار الاحترار سيؤدي إلى فقدان المزيد من الأرواح، وزيادة الاضطرابات التي تواجه المجتمعات والاقتصادات، فضلًا عن تفاقم الضغوط على الموارد الطبيعية.
وبحسب التقرير، فإن المخاطر والآثار ستزداد حدة مع كل ارتفاع إضافي في درجات الحرارة، بما يشمل زيادة شدة الظواهر الجوية المتطرفة، وتدهور النظم البيئية، وتهديد الدول الجزرية الصغيرة والمدن الساحلية المنخفضة بالغمر، إلى جانب تداعيات خطيرة على صحة الإنسان والأمن الغذائي وإمدادات المياه والطبيعة والمدن والبنية التحتية والاقتصادات.
كما تزداد احتمالات الوصول إلى نقاط تحول يصعب التراجع عنها كلما ارتفعت درجات الحرارة وطالت مدة الاحترار، بما في ذلك المخاطر المرتبطة باستقرار الصفائح الجليدية الكبرى وتدهور غابات الأمازون المطيرة.
وتؤكد التحذيرات الأممية أن أزمة المناخ لم تعد قضية مستقبلية بعيدة، وإنما أصبحت واقعًا يفرض نفسه على حياة البشر واقتصادات الدول، وأن التعامل معها لم يعد يحتمل التأجيل، في ظل ارتفاع تكلفة كل درجة إضافية من الاحترار على الإنسان والطبيعة ومستقبل الأجيال القادمة.


