كتب: جودة عبد الصادق
تتجه أنظار العالم إلى مصر مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج للقاهرة، ضمن جولة دولية تحظى باهتمام واسع، في ظل تحركات صينية مكثفة تستهدف تعزيز الحضور الدولي لبكين وترسيخ شراكاتها مع عدد من القوى الرئيسية في آسيا والشرق الأوسط.
وبعد فترة حدّ خلالها الرئيس الصيني من زياراته الخارجية، تأتي جولته الحالية في توقيت بالغ الحساسية، تبدأ بزيارة دولة إلى قيرغيزستان للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون 2026 بالعاصمة بيشكيك، قبل أن تتجه الأنظار إلى مصر في زيارة دولة تاريخية، بما يعكس أهمية القاهرة في الحسابات الصينية على المستويين الإقليمي والدولي.
القاهرة في قلب التحرك الصيني
ويرى موقع «بلاتافورما ميديا» الصادر في ماكاو أن اختيار مصر ضمن جدول الزيارات الخارجية للرئيس الصيني يحمل دلالات استراتيجية، في ظل تنامي العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين القاهرة وبكين، خاصة في المنطقة المحيطة بقناة السويس.
وتبرز قناة السويس باعتبارها أحد أهم عناصر الجاذبية في العلاقات المصرية الصينية، لما تمثله من موقع محوري في حركة التجارة العالمية، فضلًا عن كون مصر بوابة رئيسية إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
جهد استراتيجي لتشكيل الأجندة الدولية
وتأتي الجولة الصينية في وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات متسارعة، بفعل التوترات التجارية العالمية، والأزمات الأمنية في الشرق الأوسط، والتطور المتلاحق في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويرى مراقبون أن تحرك بكين لا يقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية، وإنما يستهدف أيضًا المشاركة بصورة أكثر تأثيرًا في صياغة الأجندة الدولية، عبر توسيع شبكة الشراكات والتحالفات الاقتصادية والسياسية.
وتشارك الصين كذلك في اجتماع قادة مجموعة «بريكس» المقرر عقده في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر، في أول زيارة للرئيس شي إلى الهند منذ عام 2019، في خطوة تعكس مساعي البلدين لإدارة الملفات الخلافية وتعزيز المصالح المشتركة رغم استمرار التحديات بينهما.
بكين تتحرك على أكثر من جبهة
ويأتي النشاط الدبلوماسي الصيني في وقت تراقب فيه الولايات المتحدة عن كثب تطور العلاقات الاقتصادية العابرة للحدود، خاصة ما يتعلق بالطاقة وسلاسل الإمداد والقطاعات التكنولوجية الحيوية.
وتكشف التحركات الصينية والهندية عن اتجاه متزايد لدى القوى الكبرى نحو تنويع الشراكات وعدم حصر العلاقات الدولية في محور واحد، وهو ما يمنح دولًا مثل مصر أهمية إضافية باعتبارها شريكًا يتمتع بموقع جغرافي وثقل سياسي وعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.
مصر والصين.. شراكة تتجاوز الاقتصاد
ولا تقتصر أهمية القاهرة بالنسبة إلى بكين على الاستثمارات والتجارة، وإنما تمتد إلى ملفات الأمن الإقليمي، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والتنمية، والتكنولوجيا، إلى جانب الدور المصري المحوري في المنطقة.
ومن هنا، فإن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تحمل رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، مفادها أن القاهرة تمثل شريكًا مهمًا في الرؤية الصينية لتعزيز التعاون مع دول الشرق الأوسط وأفريقيا.
كما أن موقع مصر على طرق التجارة الدولية يجعلها عنصرًا أساسيًا في أي استراتيجية تستهدف تأمين سلاسل الإمداد وتعزيز الترابط بين الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية.
الذكاء الاصطناعي على طاولة الكبار
وفي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم محددات القوة الاقتصادية والتكنولوجية في المستقبل، بات هذا الملف حاضرًا بقوة في الحوار بين واشنطن وبكين.
وتشير المعطيات إلى أن المباحثات التمهيدية بين الجانبين تركز بصورة متزايدة على قضايا سلامة وأمن الذكاء الاصطناعي، والاستقرار الاقتصادي، والسياسات التجارية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد الطرفين لجولة جديدة من المباحثات رفيعة المستوى، وسط استمرار المنافسة الاستراتيجية بين أكبر اقتصادين في العالم.
القاهرة.. ورقة مهمة في الحسابات الدولية
بينما تتجه بكين إلى تعزيز حضورها في آسيا الوسطى والشرق الأوسط وجنوب آسيا، تبرز مصر باعتبارها إحدى أهم نقاط الارتكاز في هذه الخريطة الجديدة.
فالقاهرة تمتلك الموقع، وقناة السويس، والثقل العربي والأفريقي، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف الدولية، وهو ما يجعل الشراكة المصرية الصينية ذات أبعاد تتجاوز حدود العلاقات الثنائية.
وفي عالم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية والأمنية، تبدو زيارة الرئيس الصيني لمصر أكثر من مجرد محطة في جولة خارجية.
إنها رسالة بأن القاهرة ما زالت تحتفظ بمكانتها في قلب حركة السياسة الدولية، وأن مصر قادرة على أن تكون جسرًا بين الشرق والغرب، وبوابة للتعاون بين آسيا وأفريقيا والعالم العربي.
ومع اقتراب القمة الصينية الأمريكية المرتقبة، تبدو تحركات الرئيس شي جين بينج وكأنها جزء من إعادة ترتيب واسعة للأولويات والشراكات، فيما تظل مصر واحدة من أهم المحطات على خريطة هذا التحرك.


