د. سلمى أرباب
اعتدتُ كبحّارٍ ركوبَ الأمواجِ وامتطاءَها، وأنا أشعرُ أنني أقوى من البحرِ وعالمهِ الساحق. اعتدتُ ظلامَ أمواجهِ ولم أخشَ يومًا أن أغرقَ فيه؛ أحببتُه بكلّ تفاصيله، لكن من الخارجِ فقط.. لم أتصور كيف تكون الحياةُ تحت هذا الموجِ المتلاطمِ وتحت هذا السوادِ القاتم.
وفي ضوءِ الشمس، اعتدتُ أن تتلألأ الأمواجُ كأنها نور، وعشقتُ التحامَها بالسماءِ في الأفقِ البعيدِ أمامَ عيني، دون أن أدركَ أبداً كيف تكون الحياةُ تحت هذا الموجِ مع ضوءِ الشمس. لطالما جِبتُ البحارَ وأنا أشعرُ أنني سيّدُها وحوتُها الأكبر، ولم أتخيلْ نفسي يومًا سمكةً صغيرةً تسبحُ تحت هذا الماء!
لكنني اليومَ أرى نفسي من مكانٍ مختلف.. لأولِ مرةٍ أشعرُ كيف يكونُ التنفّسُ تحت الماء، ورغم أن عقلي لم يستوعبْ أبداً أنه بإمكاننا التنفّسُ تحت هذا الكائنِ العظيم، إلا أن اصطدامي بكِ لم يكن يخضعُ لأيِّ تفكيرٍ منطقي؛ لم يكن سوى ثورةٍ قامت في أعماقِ البحر، واختطفتني إلى داخلِ عينيكِ.. اللتين تبدوانِ أعمقَ من كلِّ البحورِ التي أبحرتُ فيها.
كانت روحي قبلِكِ جزيرةً وادعةً وسَطَ محيطٍ ساكن، حُصنًا من الهدوءِ الشديدِ الذي يُشبه النسيان. لم أكن أعلمُ أن هذا الهدوء لم يكن سوى السكونِ الذي يسبقُكِ. وفي ليلةٍ عاصفة، احتدمت فيها السماء مع البحر، وتلاطمت أمواجهُ كأنها زئيرُ الأبدية، أتيتِ أنتِ.. لم تأتي كقطرةِ غيثٍ أو موجةٍ تعبر الشاطئ، بل جئتِ كزلزالٍ في قاعِ الروح، كـ تسونامي خاطفٍ ضرب جدرانَ جزيرتي الهادئة، فاجتاحَ كلَّ ما بنيتُهُ من تحفّظٍ، وجرفَ خلفَهُ كلَّ بواصلِ النجاة.
جرفتِني أمواجُكِ العارمة إلى أعمقِ نقطةٍ فيكِ، وهناك فقط حدثت المعجزة؛ تحوّل الغرقُ من هلاكٍ إلى حياة! اكتشفتُ أنني لم أعد أستطيع التنفّس في الهواءِ المطلقِ بعدَكِ، وأن رئتيّ اللتين اعتادتا هدوءَ السطح، صارتا لا تطربانِ إلا لشهيقٍ مأخوذٍ من بين أمواجكِ المتلاطمة. لقد أسرَتْني روعةُ الاجتياح، وصرتُ أحيّا في قاعِ هذا الغرق، أرفضُ أيّ برٍّ لا يحمل أثرَ موجِكِ.
وسط هذا الدوار، وبينما تحاصرني أمواجُكِ من كل اتجاه، لم أجد نوري في فنارٍ مُقامٍ على برٍّ بعيد، بل اكتشفتُ أنكِ أنتِ الفنارُ ذاته.. تُضيئين من قلب العاصفة، وتمنحين الغرقَ معناه، وتدلّين روحي إليكِ كأنكِ الشاطئ والهاوية في آنٍ واحد.
لم يكن الإبحارُ فيكِ مجردَ عبورٍ عابرٍ بين مياهكِ، بل كان رحلةَ استكشافٍ لا تنتهي لأعماقٍ لم يطأها بحّارٌ قبلي. كلما غصتُ فيكِ أكثر، وجدتُ جزرًا خبيئةً من الحنانِ لم تدسْها أقدامُ البشر، وأغوارًا سحيقةً تحتفظُ بأسرارِكِ الشفافة، وكنوزًا من الوجدانِ لا تُقدّر بثمن. لقد صرتُ أغوصُ في تفاصيلِكِ كمن يكتشفُ قارةً جديدةً لم تُسجَّل في أيِّ أطلس؛ أقرأُ حركةَ مدِّكِ وجزرِكِ، وأتلمّسُ دفءَ التيارِ في نبضكِ، حاسرًا عن كلِّ دروعي القديمة. لم أعد أبحثُ عن أمانِ الشواطئ، بل أصبحتُ أجدُ مرفئي الوحيدَ في التعمّقِ أكثر داخلَ هذا المحيطِ الذي احتواني.
لم تعد خرائط أطلس العالم تعنيني، لقد كتبتُ بعشقي لكِ خارطتي الأخيرة والوحيدة.. سأبحرُ فيكِ ما حييت، وأحبكِ شهيقًا وزفيرًا. سأظلُّ أدوّرُ في فلكِ أعماقكِ، أستكشفُ مجرّاتِ عينيكِ وجزُركِ العذراء، أطوي فيكِ المسافات، وأعلنُ أمامَ كلِّ المحيطاتِ أنني البحّارُ الذي اختارَ أن يكونَ وطنُه وأمانُه وغرقُه الأبدي.. هو أنتِ.


