السبت، 22 أغسطس 2026
عاجل
تركيا تطلب إصدار نشرة حمراء بحق نتنياهو على خلفية أحداث أسطول غزة ترامب: إيران تواجه أزمة اقتصادية طاحنة وواشنطن تفرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز الجيش الإسرائيلي يستقبل ثاني طائرات التزود بالوقود «جدعون» لتعزيز قدراته الجوية زلزال بقوة 5.5 درجة يضرب قبالة جزيرة «هاتشيجو-جيما» اليابانية مصرع 8 أشخاص في تحطم طائرة صغيرة بولاية ألاسكا الأمريكية سنتكوم: تحويل مسار 67 سفينة تجارية منذ استئناف الحصار البحري على إيران زلزال بقوة 5.2 درجة يضرب مينداناو الفلبينية دون تهديد بتسونامي هبوط اضطراري لطائرة «An-3» في جزيرة سخالين الروسية بعد تعطل محركها تركيا تطلب إصدار نشرة حمراء بحق نتنياهو على خلفية أحداث أسطول غزة ترامب: إيران تواجه أزمة اقتصادية طاحنة وواشنطن تفرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز الجيش الإسرائيلي يستقبل ثاني طائرات التزود بالوقود «جدعون» لتعزيز قدراته الجوية زلزال بقوة 5.5 درجة يضرب قبالة جزيرة «هاتشيجو-جيما» اليابانية مصرع 8 أشخاص في تحطم طائرة صغيرة بولاية ألاسكا الأمريكية سنتكوم: تحويل مسار 67 سفينة تجارية منذ استئناف الحصار البحري على إيران زلزال بقوة 5.2 درجة يضرب مينداناو الفلبينية دون تهديد بتسونامي هبوط اضطراري لطائرة «An-3» في جزيرة سخالين الروسية بعد تعطل محركها
تركيا تطلب إصدار نشرة حمراء بحق نتنياهو على خلفية أحداث أسطول غزةوزارة العمل تعلن 25 فرصة عمل بالقطاع الزراعي في الدقهلية برواتب تصل إلى 17 ألف جنيهترامب: إيران تواجه أزمة اقتصادية طاحنة وواشنطن تفرض سيطرة كاملة على مضيق هرمزالإفراط في تناول رقائق البطاطس.. مخاطر صحية تبدأ من زيادة الوزن وقد تصل إلى أمراض القلبالجيش الإسرائيلي يستقبل ثاني طائرات التزود بالوقود «جدعون» لتعزيز قدراته الجويةحبس صانعة محتوى 4 أيام في المنصورة بتهمة نشر فيديوهات مخلةفي اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب.. معهد جنيف: حماية الإنسان وحقوقه مسؤولية مشتركةرفعت فياض يكتب .. زلزال رئيس جامعة إلمنيا .. وتوابعه !!تعرف علي حظك و “توقعات الأبراج” ليوم السبت 22 أغسطس 2026زلزال بقوة 5.5 درجة يضرب قبالة جزيرة «هاتشيجو-جيما» اليابانية
مقال رأي

مريم عرجون تكتب .. ثلاثون عامًا على باب اللغة: من مشروع ١٩٩٢ إلى إنجليزية الرئيس عبد المجيد تبّون

الكاتبة: مريم عرجون

ما كانتِ اللغةُ عند العربِ في سالفِ الدهرِ لفظًا يجري على الشفاهِ ثم تذروه الرياح، ولا زخرفًا تتزيّن به المجالسُ وتتباهى به الألسن، وإنما كانت ديوانَ الحسب، وحافظةَ النسب، ومستودعَ المآثر، وبها تُحفظُ أيامُ القومِ من عاديةِ النسيان، وتبقى أخبارُ الآباءِ في أفواهِ الأبناءِ، ويُعرفُ الرجلُ في قومه، ويُعرفُ القومُ في الناس، فما استقامت لأمةٍ ذاكرةٌ إلا كان لسانُها وعاءَها، ولا بقي لها من شخصيتها شيءٌ إلا بقي في ألفاظها، إذ اللغةُ ليست أصواتًا تُسمعُ ثم تنقضي، وإنما هي صورةُ النفسِ حين تتكلم، وذاكرةُ الأمةِ حين تستدعي ماضيها، وأداةُ العقلِ حين يريدُ أن ينظرَ في العالمِ ويُحسنَ فهمَه.

ومن هاهنا فإن أمرَ اللغةِ في الجزائرِ ليس أمرَ مدرسةٍ وحدها، ولا شأنَ كتابٍ أو منهجٍ أو حصةٍ دراسيةٍ تُزادُ هنا وتُحذفُ هناك، وإنما هو من صميمِ السؤالِ عن الإنسانِ الجزائريِّ نفسه، بأي لسانٍ يحملُ ذاكرته؟ وبأي لسانٍ يطلبُ علمه؟ وكيف يمدُّ يده إلى العالمِ من غير أن يفرّطَ في الجذرِ الذي شدَّه إلى أرضه، ولا يجعلَ من لسانِ غيره مرآةً يرى فيها نفسَه؟
ومن هذا الموضعِ تُقرأُ حكايةُ الإنجليزيةِ في المدرسةِ الجزائريةِ، فإنها لم تكن حكايةَ لغةٍ أبطأ بها الطريقُ حتى بلغت مقصدها، وإنما كانت حكايةَ بابٍ ظلَّ ثلاثين عامًا على عتبته، لا هو أُغلق إغلاقًا يقطعُ الرجاء، ولا هو فُتح فتحًا يمكّنُ الأجيالَ من العبور، ففي سنةِ ١٩٩٢ ظهرت محاولةٌ لإدخالِ الإنجليزيةِ إلى التعليمِ الابتدائيِّ وتعزيزِ حضورِها في المدرسةِ الجزائرية، وأُخذ للمشروعِ بأسبابِ الإعدادِ والتكوينِ والتأطير، غير أن تلك المحاولةَ جاءت في زمنٍ كانت فيه المدرسةُ تموجُ بأسئلةِ التعريبِ والفرنسةِ والهوية، وكانت اللغةُ قد تجاوزت وظيفتَها التعليميةَ حتى غدت في بعضِ وجوهها عنوانًا لصراعٍ أعمقَ على صورةِ الجزائرِ التي تريدُ أن تكون، وكانت الفرنسيةُ قد رسختْ في بعضِ مفاصلِ التعليمِ والإدارةِ والتكوينِ والحياةِ الثقافيةِ رسوخَ شجرةٍ طالَ بها المقامُ، فضربتْ عروقَها في تربةٍ لم تكن أرضَها الأولى، حتى إذا تغيّر وجهُ صاحبِها بقي من ظلِّها شيءٌ في المكان، فلم يكن دخولُ الإنجليزيةِ إلى المدرسةِ مجردَ إضافةِ لسانٍ إلى لسان، وإنما كان مسًّا بسؤالٍ قديمٍ طالَ مقامُه ولم يجدْ له الناسُ جوابًا يقطعُ النزاع، أَتملكُ الجزائرُ أمرَ لغتها فتختارُ منها ما يوافقُ حاجتها، أم تظلُّ بعضُ اختياراتها مشدودةً إلى ما أورثَه الماضي في مؤسساتها وعقولها؟ وذلك ليس سؤالَ مدرسةٍ فحسب، وإنما سؤالُ سيادةٍ، لأن الأمةَ قد تُحكمُ على أرضها بغيرِ سيف، إذا أُحكمَ عليها في عقلِها ميزانٌ لا تصنعُه بيدها، وليس في الفرنسيةِ من حيثُ هي لغةٌ جرمٌ يُؤخذُ به اللسان، فاللغةُ لا تحملُ خطايا الدولِ التي نطقت بها، ولا تُؤاخذُ الحروفُ بما صنعتِ الجيوشُ، ولكن البلاءَ كلَّ البلاءِ أن تنتقلَ لغةٌ جاءت في ركابِ المستعمرِ من كونها أداةً إلى كونها ميزانًا، فيُنظرُ إلى صاحبها بعينِ التقدير، وإلى من جهلها بعينِ النقص، حتى يغدو اللسانُ الأجنبيُّ عند بعضِ الناسِ شاهدَ فضلٍ، ويغدو لسانُ الوطنِ كأنه شاهدُ تأخر، وهنا يتجاوزُ الأمرُ حدودَ اللغة، لأن أخطرَ ما يخلّفهُ الاستعمارُ ليس ما يبنيهُ في الحجر، وإنما ما يتركهُ من مقاييسَ في النفس، فقد يخرجُ الغالبُ من الأرضِ وتبقى بعضُ صورتهِ في العقل، وقد تُطوى الرايةُ من الساحاتِ وتبقى بعضُ ظلالها في طرائقِ التفكير، وقد تُغلقُ أبوابُ الثكناتِ وتبقى أبوابٌ أخرى مفتوحةً في التعليمِ والإدارةِ والنظرِ إلى الذات.

وما كلُّ ما خلّفهُ الغازي ميراثًا، ولا كلُّ ما أبقاهُ الراحلُ فضلًا على من بقي، إنما أشدُّ ما يصيبُ الأمةَ أن تأنسَ إلى صورةٍ رسمها لها غيرُها ثم تنسى أنها صورةٌ دخيلة، فتجعلُ منها ميزانًا ترى به فضلَها ونقصَها، فإذا جعلَ الرجلُ لسانَ غيره معيارًا لعقله، ومقياسًا لتحضره، وسُلّمًا إلى مكانته، فقد بدأ يخلعُ عن نفسه شيئًا من سيادته، وإن ظلَّ واقفًا على أرضه، والجزائريُّ ليس بحاجةٍ إلى لسانٍ أعجميٍّ ليبرهنَ على حضارته، ولا إلى حروفٍ وافدةٍ ليقيمَ الحجةَ على علمه، ففي هذه الأرضِ من الذاكرةِ والمآثرِ ما لا يحتاجُ إلى شاهدٍ مستعار، وفي العربيةِ من سعةِ البيانِ وذخيرةِ الفكرِ ما حملَ علومًا وآدابًا وأخبارًا، وحفظَ للأمةِ من ماضيها ما عجزتْ عن حفظه أحيانًا قوةُ السيفِ وسلطانُ السياسة، فكيف يهونُ على ابنِ هذه الأرضِ لسانُه، وهو يريدُ أن يثبتَ مقامَه بينَ الأمم؟ وليس الاعتزازُ بالعربيةِ دعوةً إلى الانغلاق، كما أن تعلمَ لغاتِ العالمِ ليس خيانةً للهوية، وإنما العبرةُ في اليدِ التي تمسكُ زمامَ اللغة، فمن ملكَ لسانَه ثم تعلمَ لسانَ غيره ازدادَ علمًا وقوة، ومن ملّكَ لسانَ غيره زمامَ عقله لم تغنه كثرةُ الألسنةِ إذا كان قد فقدَ حقَّه في الاختيار، والأمةُ الواثقةُ من أصلها لا تخشى أن تتعلم، بل إن الذي يعرفُ قدرَه لا يخافُ من معرفةِ قدرِ غيره، وإنما يخشى المعرفةَ من جعلها طريقًا إلى محوِ نفسه.

ومن هنا تُفهمُ الإنجليزيةُ في زمننا هذا فهمًا آخر، فهي لم تعد تُقرأُ باعتبارها لسانَ قومٍ بعينهم، وإنما غدت لسانًا واسعَ المجرى، تجري فيه علومُ العصرِ وأبحاثُه، وتتحركُ في فضائه التقنيةُ والاقتصادُ والجامعاتُ والأسواقُ ووسائلُ الاتصال، وصارت من أوسعِ المفاتيحِ التي يصلُ بها الإنسانُ إلى المعرفةِ الحديثةِ ومصادرها، ومن ثمَّ فإن حاجتنا إليها ليست حاجةَ مقلدٍ يريدُ أن يتزيّا بزيِّ غيره، ولا حاجةَ تابعٍ يبحثُ عن سيدٍ جديد، وإنما هي حاجةُ رجلٍ أبصرَ في الأفقِ بابًا إلى المعرفةِ فأرادَ أن يمتلكَ مفتاحَه، نريدُ الإنجليزيةَ لكي نقرأَ العالمَ من غير وسيط، ونطالعَ العلمَ من منابعه، ونتابعَ التقنيةَ حيثُ تُصنع، ونفهمَ الاقتصادَ في لغتهِ الأوسع، ونفتحَ أمامَ الطالبِ والباحثِ الجزائريِّ أبوابًا لا ينبغي أن تظلَّ موصدةً لأن لغةَ المعرفةِ لم تدخلْ بعدُ إلى يده.

فالإنجليزيةُ التي نحتاجُ إليها ليست لسانَ تبعية، وإنما أداةُ قوة، ليست رايةً نرفعها فوقَ رايتنا، وإنما مفتاحٌ نحملهُ في أيدينا، نأخذُ منها علمَها ولا نستعيرُ منها صورتَنا عن أنفسنا، نقرأُ بها ما كتبَ الآخرون، ولا نجعلُ ما كتبوهُ تعريفًا لنا، فالفرقُ بين الأمةِ التي تتعلمُ والأمةِ التي تتبعُ أن الأولى تجعلُ اللغةَ في يدها، والثانيةَ تجعلُ يدها في يدِ اللغة.

ولهذا لا يكونُ من العقلِ أن نخرجَ من أثرِ الفرنسيةِ لندخلَ أثرَ الإنجليزيةِ ونحنُ نحملُ العقلَ نفسه، فنستبدلُ تبعيةً بتبعية، ونغيّرُ اسمَ السيدِ ولا نغيّرُ حالَ التابع، فالسيادةُ اللغويةُ ليست في أن نكرهَ لغةً ونقدسَ أخرى، وإنما في أن نعرفَ موضعَ كلِّ لغةٍ من حاجتنا، وأن نجعلَ لكلِّ لسانٍ وظيفتَه دونَ أن نسمحَ له أن يستوليَ على مقامِ الذات. العربيةُ لسانُ الذاكرةِ والهويةِ والفكرِ والثقافة، والأمازيغيةُ ركنٌ أصيلٌ من رصيدِ الجزائرِ التاريخيِّ والثقافي، والإنجليزيةُ نافذةٌ واسعةٌ على العلمِ والتكنولوجيا والاقتصادِ والعالم، والفرنسيةُ، لمن أرادَ تعلمَها، لغةٌ من لغاتِ البشرِ ينتفعُ بها حيثُ تنفعُ، ولا يجعلُها فوقَ قدرها حتى تصيرَ ميزانًا للإنسانِ أو معيارًا لانتمائه.

وهكذا تنقلبُ المسألةُ من حربٍ بين الحروفِ إلى ترتيبٍ للوظائف، ومن صراعٍ بين الألسنةِ إلى استردادٍ لحقِّ الأمةِ في الاختيار، فليس السؤالُ أيُّ لغةٍ تنتصرُ، وإنما أيُّ عقلٍ سيحكمُ اللغاتِ التي يتعلمُها، لأن الأمةَ التي تجعلُ من كلِّ لغةٍ أداةً في يدِها أوسعُ أفقًا من الأمةِ التي تجعلُ من لغةٍ واحدةٍ عقيدةً لا تُمس، والإنسانُ الذي يعرفُ لسانَ الآخرِ وهو ثابتٌ في لسانه أقدرُ على مخاطبةِ العالمِ من إنسانٍ لا يعرفُ من العالمِ إلا ما تسمحُ له لغتُه الوحيدةُ أن يعرفَه.

ثم مضت ثلاثون عامًا بينَ ١٩٩٢ و٢٠٢٢، تبدّلَ فيها وجهُ الدنيا تبدلًا عظيمًا، اتسعتِ الشبكات، وانقلبَ الاقتصادُ إلى فضاءٍ رقمي، وتسارعتِ المعرفةُ حتى صارَ ما كان بالأمسِ جديدًا اليومَ من بقايا القديم، ثم أطلَّ الذكاءُ الاصطناعيُّ على البشريةِ كأنه بابٌ آخرُ من أبوابِ التحولِ في معنى المعرفةِ والعمل، وفي وسطِ هذا التحولِ جاء عامُ ٢٠٢٢، فأُعلنَ إدراجُ الإنجليزيةِ في التعليمِ الابتدائيِّ ابتداءً من الموسمِ الدراسيِّ ٢٠٢٢-٢٠٢٣ بقرارٍ من رئيسِ الجمهوريةِ عبد المجيد تبون، فعادتِ الفكرةُ بعد ثلاثةِ عقودٍ إلى المدرسة، ولكنها عادت إلى عالمٍ غير العالمِ الذي خرجت منه وإلى جيلٍ غير الجيلِ، وإلى حاجاتٍ لم تعد هي حاجاتِ الأمس،

وثلاثون عامًا في عمرِ الأممِ ليست هينةً، ففيها يولدُ جيلٌ ويشبُّ، وفيها يخرجُ الطفلُ من مقعدِ الدراسةِ إلى الجامعةِ ثم إلى الحياةِ والعمل، ومن ثمَّ فإن التأخرَ ليس رقمًا يُذكرُ ثم يُطوى، وإنما زمنٌ مرَّ على أجيالٍ كان يمكنُ أن تتسعَ أمامَها أبوابُ المعرفةِ في وقتٍ أبكر، غير أن الحكمةَ ليست في أن نبقى أسرى للحسرةِ على ما مضى، وإنما في أن نجعلَ من الماضي بصيرةً تمنعُ المستقبلَ من إعادةِ الخطأ نفسه في صورةٍ أخرى، فالأممُ التي لا تستخرجُ من عثراتها معنى، تعودُ إلى الموضعِ نفسه وإن تغيّرتِ الطريق.
وليس إدخالُ الإنجليزيةِ إلى المدرسةِ نهايةَ القضية، لأن اللغةَ لا تُغرسُ في عقلِ الطفلِ غرسًا بالقوة، ولا تُحفظُ كأسماءِ الأشياءِ في دفاترَ جامدة، وإنما تحتاجُ إلى مدرسةٌ تقولُ للطفلِ الجزائريِّ هذا لسانُك فاعرفْ قدرَه، وهذه لغاتُ العالمِ فتعلمْها، فلا تجعلْ هويتَك سجنًا يحجبُك عن العالم، ولا تجعلْ العالمَ قبرًا يدفنُ هويتَك،

و ليس النصرُ أن تُقصى الفرنسية، وأن تُرفعَ الإنجليزيةُ إلى مقامِ التقديس، ولا العزُّ أن يلبسَ المرءُ لسانَ غيرِه، فاللغاتُ مطايا، والعلومُ عُدَدٌ، والمرءُ راكبُها لا مملوكُها، والفرسُ لا يملكُ فارسَهُ، والسيفُ لا يقودُ يدَ صاحبِه، فمن أمسكَ باللجامِ، عرفَ طريقَهُ ومن قبضَ على النصلِ، عرفَ موضعَ ضربتِه.

وليس الفخرُ أن تكثرَ الألسنُ بما تحفظُ من ألفاظِ غيرها، وإنما الفخرُ أن يكونَ وراءَ اللسانِ عقلٌ يختارُ ما يأخذُ، ويعرفُ ما ينفعُهُ، فلا يردُّ علمَ غيرِه ازدراءً له، ولا يأخذُهُ افتتانًا بصاحبِه، وإنما يعرضُهُ على عقلِه، فيأخذُ منه ما ينفعُهُ، ويدعُ ما لا يزيدُهُ علمًا ولا قوةً ولا ينتقصُ من ذاتِه شيئًا، فنحنُ نتعلمُ لسانَ غيرنا ونحنُ في دارِنا، ونفتحُ للعالمِ أبوابَ عقولِنا، ولا نفتحُ له بابَ هويتِنا، نطلبُ علمَ الأممِ ولا نستعيرُ صورتَها عن أنفسِنا، ونمدُّ أبصارَنا إلى الآفاقِ ونحنُ ثابتونَ في الأرضِ التي نشأنا عليها.

آخذُ منكَ علمَكَ، ولا تأخذ مني ميزانَ نفسي، وأعرفُ لسانَكَ، ولا أجعلُهُ لسانًا لذاتي، أقرأُ ما عندَكَ، ولا أجعلُ ما عندَكَ تعريفًا لي، فاللغةُ التي نتعلمُها إنما هي طريقٌ إلى المعرفة، وليست طريقًا إلى التبعية، ومفتاحٌ نفتحُ به أبوابَ العالم، لا قيدٌ نُوثَقُ به.

ذلك هو العزُّ أن تتسعَ للغاتِ الناسِ ولا تضيقَ عن لسانِ قومِكَ، وأن تأخذَ من علومِ الأممِ ما يقوّي يدَكَ ثم تجعلَهُ في خدمةِ أرضِكَ وأهلِك، فمن عرفَ لسانَ غيرِه ولم ينسَ لسانَه، فقد زادَ عقلَهُ ولم ينقصْ من نفسه، ومن جعلَ لغةَ غيرِه ميزانًا لقدرِه، فقد أعطى اللسانَ ما ليس له، وجعلَ المفتاحَ سيّدًا على صاحبه.

فنحنُ لا نخرجُ من دارِنا حين نتعلمُ لسانَ غيرنا، إنما نوسّعُ نوافذَ دارِنا على العالم، نمدُّ أبصارَنا إلى الآفاقِ، ونشدُّ قلوبَنا إلى الجذور، نأخذُ من الأممِ علمَها، ونكون به أمام قومِنا قوةً، فلا نكونُ صدىً لغيرِنا، ولا ظلًّا لرايةٍ لم نرفعْها بأيدينا.
الكاتبة الجزائرية مريم عرجون

أسئلة شائعة

متى ظهرت أول محاولة لإدخال الإنجليزية للتعليم الابتدائي في الجزائر؟

ظهرت سنة 1992 ضمن محاولة لإدخال الإنجليزية وتعزيز حضورها في المدرسة الجزائرية.

ماذا تمثل اللغة في مفهوم الأمة الجزائرية حسب المقال؟

تمثل ديوان الحسب، وحافظة النسب، ومستودع المآثر، وصورة النفس وذاكرة الأمة وسؤال السيادة.