بقلم د. شيماء أحمدين
أفكر أحيانًا في مشهد غريب ومؤلم في آنٍ واحد:
عندما يسمعون خبر وفاتي، سيأتي القاصي والداني.
سيأتي من كان إلى جانبي طوال الوقت، ومن غاب طويلًا.
سيأتي من كان يسأل عني، ومن كان يتكاسل عن زيارتي.
سيجد بعضهم الوقت فجأة، وستصبح المسافات أقصر، وستُلغى المواعيد، وتتراجع المشاغل التي كانت بالأمس أسبابًا كافية للتأجيل.
وسأكون أنا الشخص الوحيد الذي لم يعد يعنيه أن الجميع قد حضر.
وهنا تكمن المفارقة.
لماذا يصبح الوصول إلينا سهلًا بعد أن نرحل، بينما كان صعبًا ونحن ننتظر؟
لماذا نجد وقتًا للعزاء، ولا نجد دائمًا وقتًا للزيارة؟
لماذا نستطيع أن نقف ساعات أمام باب بيتٍ يسكنه الحزن، بينما كان من الصعب أن نطرق الباب نفسه حين كان خلفه شخص سيسعد برؤيتنا؟
بعد الموت، تصبح الكلمات كثيرة.
«كانت طيبة.»
«لن ننساها.»
«ليتنا جلسنا معها أكثر.»
«كنت أنوي زيارتها.»
«كنت مشغولًا، لكنني كنت أحبها.»
وكلها قد تكون كلمات صادقة.
لكن أكثر ما يؤلم في الصدق المتأخر أنه لا يصل إلى صاحبه.
نحن لا نقصر دائمًا لأننا لا نحب. أحيانًا نقصر لأننا نطمئن أكثر مما ينبغي. نظن أن من نحبهم باقون، وأن الزيارة يمكن تأجيلها إلى الأسبوع القادم، والمكالمة إلى الغد، والاعتذار إلى مناسبة أخرى.
نعيش وكأن لدينا رصيدًا لا ينفد من «لاحقًا».
ثم يأتي يوم لا يوجد فيه لاحقًا.
وعندها يحدث شيء عجيب:
تسقط المشاغل التي كانت تمنعنا، ويتسع الوقت الذي كان ضيقًا، ونقطع المسافة التي كنا نستثقلها.
ولكن إلى أين؟
إلى مكان لا ينتظر فيه صاحبنا وصولنا.
ربما لهذا لا ينبغي أن يكون الموت مجرد مناسبة للحزن على من رحل، بل درسًا في طريقة تعاملنا مع من بقي.
إن اشتقت إلى أحد، فاتصل به.
إن كان في قلبك امتنان، فقله الآن.
إن كان بينك وبين شخص تحبه خلاف صغير، فلا تمنحه من عمركما أكثر مما يستحق.
وإن كان هناك إنسان تؤجل زيارته منذ شهور لأنك «مشغول»، فتذكر أنك عندما تسمع يومًا خبر رحيله، قد تكتشف أنك استطعت إلغاء كل أشغالك من أجله…
ولكن متأخرًا.
لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى وردٍ يوضع بجوار صورته بعد رحيله.
قد يحتاج وردة واحدة وهو حي.
ولا يحتاج إلى عشرات الأشخاص الذين يتحدثون عن فضائله بعد موته بقدر ما قد يحتاج شخصًا واحدًا يطرق بابه في مساء عادي ويسأله:
كيف حالك فعلًا؟
ربما علينا أن نتعلم أن نعطي الأحياء شيئًا من الوفاء الذي نمنحه للموتى.
أن نزور قبل أن تصبح الزيارة عزاءً.
وأن نتصل قبل أن يصبح الرقم ذكرى.
وأن نقول «أحبك» قبل أن تتحول إلى «كنت أحبك».
وأن نحضر قبل أن يصبح حضورنا بلا فائدة لمن جئنا من أجله.
فالحضور الحقيقي ليس أن يأتي الجميع عندما نرحل.
الحضور الحقيقي أن يأتي أحدهم بينما ما زلنا هنا لنفتح له الباب.


