بقلم د. شيماء أحمدين
حين تصبح الشهادة وسيلة لإثبات الكفاءة… ثم تتحول الكفاءة إلى سباق لجمع الشهادات
.في السنوات الأخيرة، أصبح مصطلح «الشهادات المهنية» حاضرًا بقوة في عالمنا العربي.
تجدها في الجودة، وإدارة المشاريع، والموارد البشرية، والحوكمة، والمخاطر، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والامتثال، وغيرها من المجالات.
وفي أصل الفكرة شيء يستحق التقدير.
فالتعليم الجامعي، مهما بلغت جودته، لا يستطيع أن يمنح الخريج كل ما سيحتاج إليه طوال حياته المهنية. تتغير التقنيات، وتتطور الممارسات، وتظهر تخصصات لم تكن موجودة عندما جلس الموظف لأول مرة على مقعد الجامعة.
ومن هنا تأتي قيمة الشهادة المهنية الحقيقية:
أن تسد فجوة معرفية أو مهارية محددة، وأن تمنح الممارس معرفة قابلة للاستخدام في عمله، وأن تقدم دليلًا موثوقًا على امتلاكه كفاءة محددة وفق معيار واضح.
هذه هي الفكرة الجميلة.
لكن ما حدث بعد ذلك يستحق وقفة.
عندما تحولت الشهادة إلى منتج
مع ازدياد الطلب، ازداد العرض.
وأصبحنا أمام عدد هائل من الجهات، والبرامج، والاختصارات التي تضاف خلف الأسماء.
شهادة بعد أخرى.
ومسمى بعد آخر.
وأحيانًا يكفي حضور عدة ساعات، أو مشاهدة محتوى مسجل، أو اجتياز اختبار محدود، ليخرج المتدرب بلقب يبدو أمام غير المتخصص وكأنه اعتماد مهني رفيع.
وهنا تبدأ المشكلة.
حين تصبح سهولة الحصول على الشهادة أهم من صعوبة اكتساب الكفاءة، نكون قد انتقلنا من صناعة المعرفة إلى صناعة الشهادات.
ليس كل برنامج تدريبي شهادة مهنية.
وليس كل اختبار اعتمادًا.
وليس كل جهة تستطيع تصميم دورة قادرة بالضرورة على أن تمنح مؤهلًا مهنيًا ذا معنى.
فالاعتماد المهني الحقيقي يحتاج إلى أكثر من شعار جميل وشهادة تحمل ختمًا ذهبيًا.
يحتاج إلى كفاءات محددة مسبقًا، ومحتوى مبني عليها، وتقييم قادر فعلًا على التمييز بين من أتقن ومن لم يتقن، وآليات لضمان الجودة، ومراجعة دورية، وأحيانًا متطلبات للخبرة والممارسة والتطوير المهني المستمر.
والسؤال الأكثر إحراجًا: ماذا تقول هذه الظاهرة عن جامعاتنا؟
هنا يصبح النقاش أكثر حساسية.
إذا كان خريج الجامعة يحتاج بعد تخرجه مباشرة إلى سلسلة طويلة من الشهادات حتى يقنع سوق العمل بأنه قادر على أداء المهام الأساسية في تخصصه، فمن المشروع أن نسأل:
هل المشكلة في الخريج، أم في سوق العمل، أم في تصميم البرامج الأكاديمية، أم في تضخم سوق الشهادات نفسه؟
لا ينبغي أن نجيب بسرعة.
فالجامعة ليست مركز تدريب وظيفي، ووظيفتها أوسع من إعداد الموظف لمهمة محددة. هي تبني الأساس العلمي، والتفكير النقدي، والقدرة على التعلم والتحليل.
أما الشهادة المهنية الجيدة فتبني فوق هذا الأساس تخصصًا تطبيقيًا أو تثبت كفاءة مهنية محددة.
لذلك، من الخطأ أن نجعل الاثنين خصمين.
الجامعة تبني الأساس، والممارسة تبني الخبرة، والتطوير المهني يسد الفجوات ويواكب التغيير.
المشكلة تبدأ عندما تحاول الشهادة المهنية أن تحل محل الأساس الأكاديمي، أو عندما يصبح المؤهل الجامعي في نظر سوق العمل غير كافٍ حتى لإثبات المعارف التي يفترض أنه منحها أصلًا.
أخشى أن يصبح السؤال: كم شهادة لديك؟
أحيانًا أنظر إلى السير الذاتية الحديثة فأجد خلف الاسم سلسلة من الاختصارات تكاد تكون أطول من الاسم نفسه.
وهذا ليس عيبًا في ذاته.
فقد يكون وراء كل حرف سنوات من الدراسة والخبرة والاختبارات الصعبة.
لكن المشكلة أن الاختصار أصبح أحيانًا قيمة مستقلة عن المعرفة التي يمثلها.
ونسأل:
«ما الشهادات التي حصلت عليها؟»
قبل أن نسأل:
«ماذا تستطيع أن تفعل؟»
وهنا تنقلب المعادلة.
فالشهادة كان يفترض أن تكون دليلًا على الكفاءة، لا بديلًا عنها.
والإنسان لا يصبح خبيرًا لأن بطاقة التعريف امتلأت بالأحرف.
العلم النافع لا يحتاج دائمًا إلى إطار على الحائط
ربما نحتاج إلى إعادة ترتيب مفهومنا للتطوير المهني كله.
قبل أن تسجل في الشهادة القادمة، اسأل:
ماذا سأعرف بعدها ولم أكن أعرفه؟
ما الذي سأستطيع فعله ولم أكن أستطيع فعله؟
هل سيُقاس ذلك فعلًا؟
من الجهة التي قررت أنني أصبحت كفؤًا؟
وعلى أي معيار؟
وهل يحتاج عملي أصلًا إلى هذه الشهادة، أم أنني أجمعها لأن الجميع يفعل ذلك؟
هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة الشهادات المهنية.
بل تحمي قيمتها.
لأن انتشار شهادات ضعيفة لا يضر المتدرب وحده؛ بل يضر أيضًا أصحاب الشهادات الجادة، ويضعف ثقة أصحاب العمل في منظومة الاعتماد المهني كلها.
لا نريد حربًا بين الجامعة والشهادة المهنية
المستقبل ليس للجامعة وحدها، ولا للشهادات المهنية وحدها.
المستقبل لمنظومة تعلم مستمر تعرف وظيفة كل أداة.
جامعة قوية تمنح أساسًا علميًا راسخًا.
تدريب مهني يربط المعرفة بالممارسة.
شهادات مهنية موثوقة تثبت كفاءات حقيقية عندما تكون هناك حاجة إليها.
خبرة عملية تحول المعرفة إلى حكم مهني.
وتعلم مستمر يمنع كل ذلك من التقادم.
عندها لا تصبح الشهادة المهنية تعويضًا عن ضعف التعليم، ولا تصبح الدرجة الجامعية تصريحًا بالتوقف عن التعلم.
بل يكمل أحدهما الآخر.
وفي النهاية…
لست ضد الشهادات المهنية.
بل إنني أرى فيها واحدة من أفضل أدوات تطوير الكفاءات عندما تكون مبنية على حاجة حقيقية ومعيار حقيقي وتقييم حقيقي.
لكنني ضد أن تتحول حاجتنا إلى التعلم إلى سوق يبيع لنا شعورًا بالكفاءة بدل الكفاءة نفسها.
وضد أن نقيس الإنسان بعدد الشهادات التي جمعها، بدل أثر العلم الذي اكتسبه.
فقد يحمل شخص عشر شهادات ولا يتغير أداؤه.
وقد يتعلم آخر معرفة واحدة، فيتقنها، ويطبقها، وينقلها إلى غيره، ويصنع بها أثرًا يبقى.
ولهذا ربما كان السؤال الذي يستحق أن نسأله بعد كل دورة، وكل شهادة، وكل لقب جديد، ليس:
«ماذا أضفت إلى سيرتي الذاتية؟»
بل:
«ماذا أضاف هذا العلم إليَّ؟»
ففي النهاية، لا قيمة لشهادة لا تشهد لها الممارسة.
والعلم الذي يستحق أن نبحث عنه ليس أكثر العلم ألقابًا… بل أكثره نفعًا



