بقلم: جودة عبد الصادق
مصر ليست مجرد وطن نعيش على أرضه، وإنما وطن يعيش فينا… تسكنه ذاكرتنا، وتحمله ملامحنا، ونحمل نحن تاريخه في وجداننا جيلاً بعد جيل.
منذ فجر التاريخ، كانت مصر حاضرة في قلب الحضارة الإنسانية؛ صنعت المعرفة، وشيدت أعظم الشواهد التي ما زالت تقف أمام الزمن، وكتبت على ضفاف النيل واحدة من أقدم وأعظم قصص الإنسان مع الأرض والحياة.
ولذلك فإن الحديث عن مصر لا يمكن أن يكون حديثًا عابرًا عن دولة وحدود، بل هو حديث عن هوية وتاريخ وانتماء.
مصر التي مرت عليها قرون طويلة، وتعرضت لأزمات وحروب وتحديات، بقيت واقفة. قد تتعب، قد تمر بظروف صعبة، وقد يدفع أبناؤها ثمنًا غاليًا من أجل الحفاظ عليها، لكنها في كل مرة تثبت أن الأوطان العظيمة لا تسقط أمام العواصف.
واليوم، ونحن ننظر إلى مصر، ندرك أن بناء الوطن لا يتم بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل والعلم والإنتاج، وبالقدرة على مواجهة التحديات وتحويل الأزمات إلى فرص.
فالدولة التي تريد أن تصنع مستقبلًا لأبنائها عليها أن تبني الإنسان قبل الحجر، وأن تمنح التعليم والصحة والاقتصاد والإنتاج كل ما تستحقه من اهتمام، وأن تفتح أمام الشباب أبواب الأمل والعمل، لأن قوة مصر الحقيقية تبدأ من أبنائها.
وفي المقابل، فإن حب الوطن ليس أن نصفق له في أوقات الانتصار فقط، ولا أن نغضب منه في أوقات الأزمات، وإنما أن نكون جزءًا من عملية البناء، وأن نحافظ على مقدراته، وأن نختلف دون أن نختلف عليه.
من حق كل مصري أن يحلم بمستقبل أفضل، ومن واجبه في الوقت نفسه أن يساهم في صناعة هذا المستقبل.
مصر اليوم تحتاج إلى كل يد تعمل، وكل عقل يفكر، وكل قلم يكتب بضمير، وكل شاب يؤمن بأن مستقبله مرتبط بمستقبل بلاده.
والصحافة الوطنية الحقيقية لا تعني أن نتجاهل السلبيات أو نخفي المشكلات، وإنما تعني أن نضع الحقيقة أمام الناس، وأن نكشف الخلل بهدف إصلاحه، وأن نسلط الضوء على الإنجاز بهدف تشجيعه، وأن تكون الكلمة وسيلة للبناء لا معولًا للهدم.
فليس من الوطنية أن نغلق أعيننا عن الأخطاء، كما أنه ليس من الحكمة أن نرى الوطن كله من خلال أخطائه.
مصر أكبر من أي أزمة، وأبقى من أي خلاف، وأعظم من أن تختصر في لحظة عابرة.
وسيظل النيل شاهدًا على أن هذه الأرض عرفت معنى الاستمرار، وستظل شمسها تشرق كل صباح لتقول لأبنائها إن هناك دائمًا فرصة جديدة للعمل والأمل والبناء.
نختلف في الآراء، نتناقش، ننتقد، نحلم، ونطالب بالأفضل… لكن حين يتعلق الأمر بمصر، يجب أن نتذكر أن الوطن ليس ملكًا لحكومة أو حزب أو جيل، وإنما هو أمانة في أعناقنا جميعًا، سنتركه يومًا لأبنائنا كما تركه لنا آباؤنا وأجدادنا.
ولهذا أقولها بكل فخر:
قد نختلف على الطريق… لكن لا نختلف على حب مصر.
وقد تتغير الحكومات، وتتبدل الظروف، وتتوالى الأجيال، لكن تبقى مصر هي الثابت الذي يجمعنا جميعًا.
مصر ليست حكاية انتهت فصولها… مصر حكاية تُكتب كل يوم، وأجمل فصولها لم تُكتب بعد. 🇪🇬❤️
