بقلم: جودة عبد الصادق
في تاريخ الأمم، هناك لحظات لا تُقاس بالسنوات، وإنما بما تتركه من تحولات عميقة في مسيرة الدولة والمجتمع. ومصر اليوم تقف أمام واحدة من هذه اللحظات؛ لحظة تتشكل فيها ملامح الجمهورية الثالثة، باعتبارها مرحلة جديدة في مسار بناء الدولة المصرية الحديثة، تقوم على تطوير مؤسساتها، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات، والانطلاق نحو مستقبل أكثر قوة واستقرارًا.
والحديث عن الجمهورية الثالثة ليس مجرد تغيير في الشعارات أو المصطلحات، وإنما هو حديث عن مفهوم جديد للدولة المصرية، وعن الانتقال من مرحلة تثبيت أركان الدولة ومواجهة الأزمات إلى مرحلة أكثر تركيزًا على التنمية المستدامة، وبناء الإنسان، وتعظيم موارد الدولة، وترسيخ قدرتها التنافسية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الدولة القوية لا تُبنى بالكلام، وإنما بالعمل المتواصل، وبامتلاك رؤية واضحة تستطيع تحويل التحديات إلى فرص. ومن هنا تأتي أهمية المرحلة الجديدة التي تحتاج إلى تكامل حقيقي بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وإلى مشاركة المواطنين في حماية مكتسبات الدولة ودعم مسيرة البناء.
الجمهورية الثالثة يجب أن تكون جمهورية الإنسان المصري أولًا.
فالاستثمار الحقيقي ليس فقط في الطرق والمدن والمشروعات، وإنما في الإنسان؛ في التعليم، والصحة، والثقافة، والوعي، والبحث العلمي، وفرص العمل، وتمكين الشباب، ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطن.
كما أن الجمهورية الثالثة مطالبة بأن تجعل من الاقتصاد والإنتاج والتكنولوجيا أدوات رئيسية لصناعة المستقبل، خصوصًا في ظل عالم يتغير بصورة متسارعة، ولم يعد فيه امتلاك الموارد وحده كافيًا، وإنما أصبحت المعرفة والابتكار والقدرة على المنافسة عناصر أساسية لقوة الدول.
وتحتاج مصر في هذه المرحلة إلى استمرار العمل على تعزيز الصناعة الوطنية، وزيادة الصادرات، وتشجيع الاستثمار، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي الفريد لمصر، بما يجعل الاقتصاد المصري أكثر قدرة على الصمود والنمو.
وفي الوقت نفسه، فإن بناء الجمهورية الثالثة لا ينفصل عن الأمن القومي المصري؛ فالتنمية والاستقرار وجهان لعملة واحدة. ولا يمكن تحقيق نهضة حقيقية في ظل بيئة إقليمية مضطربة من دون دولة تمتلك مؤسسات قوية، وجيشًا وطنيًا قادرًا، وسياسة خارجية تحافظ على المصالح المصرية، وتتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بوعي وحكمة.
ولعل أهم ما تحتاجه الجمهورية الثالثة هو ترسيخ ثقافة العمل والإنجاز، والابتعاد عن اليأس والإحباط، وعدم السماح للشائعات أو محاولات بث الفوضى بأن تهز ثقة المصريين في دولتهم ومستقبلهم.
مصر دولة عريقة، مرت عبر تاريخها الطويل بالكثير من المحن والتحديات، لكنها كانت دائمًا قادرة على استعادة قوتها والانطلاق من جديد.
إن الجمهورية الثالثة ليست مجرد صفحة جديدة في كتاب مصر، وإنما فرصة لصناعة مستقبل مختلف؛ مستقبل تكون فيه الدولة أكثر كفاءة، والاقتصاد أكثر قوة، والمواطن أكثر قدرة على المشاركة، والشباب أكثر حضورًا، والإنجاز هو المعيار الحقيقي للحكم على أي مرحلة.
وفي النهاية، فإن نجاح الجمهورية الثالثة لن تصنعه الحكومة وحدها، ولن تحققه المؤسسات منفردة، وإنما يصنعه المصري عندما يؤمن بأن بناء وطنه مسؤولية مشتركة، وأن الحفاظ على الدولة ودعم استقرارها والعمل من أجل تقدمها هو الطريق الحقيقي نحو مستقبل يليق بمصر.
مصر لا تبدأ من الصفر.. مصر تبني على تاريخ طويل، وتفتح الآن بابًا جديدًا نحو المستقبل.


