بقلم: جودة عبد الصادق
في زمنٍ أصبح فيه الناس يقيسون النجاح بما يملكه الإنسان، لا بما يتركه، أصبح من الضروري أن نتوقف قليلًا لنسأل أنفسنا: ماذا يبقى من الإنسان حين تسقط عنه كل الأشياء التي كان يظن أنها تمنحه قيمته؟
قد يفقد الإنسان منصبه، وتقل أمواله، وتتغير مكانته، ويبتعد عنه بعض الذين كانوا يصفقون له، لكن هناك شيئًا واحدًا إذا حافظ عليه ظل قادرًا على الوقوف مهما تغيرت الدنيا من حوله: أخلاقه.
الأخلاق ليست كلمات نرددها في المناسبات، وليست صورة جميلة نحاول أن نرسمها أمام الآخرين، وإنما هي المواقف التي لا يراها أحد، والقرارات التي نتخذها عندما لا تكون هناك كاميرات ولا تصفيق ولا انتظار لمقابل.
أن تكون أمينًا عندما تستطيع أن تخدع، وأن تكون عادلًا عندما تكون صاحب القرار، وأن تحفظ غيبة من ائتمنك، وأن ترد الجميل لمن أحسن إليك، وأن ترفض الظلم حتى لو كان في مصلحتك؛ تلك هي الثروة التي لا تستطيع الأيام أن تنتزعها منك.
كثيرون ينجحون في الوصول، لكن القليلين ينجحون في البقاء على قدر الطريق.
فليس المهم أن تصل إلى القمة فقط، وإنما المهم ألا تفقد نفسك وأنت تصعد إليها. فبعض الناس يصلون إلى أماكن مرتفعة، لكنهم يكتشفون في النهاية أنهم تركوا وراءهم كل شيء جميل: صديقًا خسروا وفاءه، إنسانًا ظلموه، قلبًا كسروه، أو مبدأً باعوه من أجل مكسب عابر.
والحقيقة التي لا يدركها البعض إلا متأخرًا أن الإنسان لا يُقاس بعدد الذين يعرفونه، وإنما بعدد الذين يذكرونه بالخير عندما يغيب.
هناك أشخاص لا يملكون ثروات ضخمة، لكنهم يملكون قلوب الناس. وهناك آخرون يملكون الكثير، لكنهم يعيشون فقراء في أعين من حولهم، لأن المال يستطيع أن يشتري الأشياء، لكنه عاجز عن شراء المحبة الحقيقية.
لذلك لا تجعل نجاحك سببًا في غرورك، ولا تجعل منصبك سببًا في قسوتك، ولا تجعل اختلافك مع الآخرين مبررًا لإهانتهم.
تذكر دائمًا أن الأيام تتغير، وأن المواقع لا تدوم، وأن الكراسي تعرف أصحابًا كثيرين، وأن الإنسان قد يغادر المكان الذي كان يظن أنه خالد فيه، لكن سيرته تبقى بعده.
اصنع لنفسك سيرةً يفتخر بها من عرفك، لا سيرةً يبحث الناس فيها عن مبررات لمسامحتك.
كن إنسانًا حين تستطيع أن تكون قاسيًا، وكن عادلًا حين تستطيع أن تظلم، وكن متواضعًا حين تملك ما يدفعك إلى الغرور.
فالعظمة الحقيقية ليست أن تجعل الآخرين يخافون منك، وإنما أن تجعلهم يحترمونك حتى في غيابك.
وفي النهاية، قد لا يتذكر الناس كم ربحت، ولا كم كان راتبك، ولا كم كان منصبك، ولا كم كان عدد الذين صفقوا لك.
لكنهم سيتذكرون كيف جعلتهم يشعرون عندما كانوا بجوارك.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الإنسان.
فالمال قد يصنع حياةً مريحة، والمنصب قد يصنع نفوذًا، والشهرة قد تصنع حضورًا، لكن الأخلاق وحدها هي التي تصنع إنسانًا لا يسقط من ذاكرة الناس.


