كتب جودة عبد الصادق
لم يعد الشرق الأوسط أمام أزمة عابرة يمكن احتواؤها ببيان سياسي أو وساطة مؤقتة، فالمشهد الإقليمي خلال الساعات الأخيرة يكشف عن مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتحول فيها حركة الملاحة والطاقة إلى جزء أساسي من معادلة الصراع.
والأخطر أن اتساع دائرة التوتر لم يعد مرتبطًا بساحة واحدة، بعدما امتدت تداعيات الصراع إلى الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر، في وقت تجاوز فيه سعر خام برنت حاجز الـ100 دولار للبرميل، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد.
وفي قلب هذا المشهد، تبدو مصر أمام مسؤولية سياسية وأمنية أكبر من مجرد متابعة التطورات؛ فالقاهرة تنظر إلى أمن المنطقة باعتباره جزءًا من أمنها القومي، وتتعامل مع الأزمات بمنطق الدولة التي تعرف أن التصعيد لا يصنع سلامًا، وأن الحروب المفتوحة لا تنتج سوى مزيد من الخسائر والاضطرابات.
ولهذا تواصل مصر تحركاتها السياسية والدبلوماسية من أجل تثبيت التهدئة في غزة، والدفع نحو تنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، بالتنسيق مع شركائها الإقليميين، وفي مقدمتهم قطر وتركيا، مع التأكيد على ضرورة حماية المدنيين ورفض أي محاولات لفرض التهجير القسري على الفلسطينيين.
والرسالة المصرية هنا واضحة: القضية الفلسطينية ليست ورقة للمساومة، والسلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على إزاحة شعب من أرضه.
وقد جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا الموقف خلال القمة المصرية اليونانية القبرصية، مؤكدًا رفض مصر المطلق لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وأن الطريق إلى السلام العادل والشامل يمر عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وفي الوقت نفسه، تتحرك القاهرة على مسار آخر لا يقل أهمية، وهو حماية الاقتصاد الوطني من ارتدادات الأزمات الدولية والإقليمية. فالحكومة المصرية تتابع تطورات الأسواق والأسعار، وتعمل على زيادة الإنتاج والاستثمار والصادرات وتوطين الصناعة، إلى جانب دعم قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وهنا تظهر أهمية مفهوم «الدولة أولًا»؛ فالدولة لا تستطيع أن تختار توقيت الأزمات، لكنها تستطيع أن تختار كيف تواجهها.
إن أخطر ما يواجه المنطقة اليوم ليس فقط الصواريخ أو الطائرات أو إغلاق طرق التجارة، وإنما تحويل الصراع السياسي إلى حالة دائمة من عدم الاستقرار، بحيث يصبح المواطن العربي هو من يدفع الثمن في النهاية من أمنه واقتصاده ومستقبل أبنائه.
ومن هنا فإن المطلوب ليس مزيدًا من التصعيد، وإنما مزيد من العقل السياسي.
الشرق الأوسط يحتاج إلى صوت العقل، وإلى دول قادرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وإلى رؤية تتجاوز ردود الأفعال إلى صناعة الحلول. ومصر، بحكم موقعها ودورها التاريخي وعلاقاتها الإقليمية والدولية، تظل واحدة من أهم الدول القادرة على لعب هذا الدور.
المعركة الحقيقية في المنطقة ليست معركة من ينتصر في جولة عسكرية، وإنما معركة من يستطيع أن يمنع انهيار المنطقة بأكملها في دوامة جديدة من الفوضى.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، تحتاج المنطقة إلى سياسة تحفظ الدولة، وتحمي الشعوب، وتصون الحقوق، وتفتح أبواب السلام بدلًا من توسيع ساحات الحرب.
وهذه هي المعادلة التي يجب أن ينتصر فيها الجميع، لأن البديل ببساطة هو أن يدفع الجميع ثمنًا باهظًا لصراعات لا تنتهي.


