كتب جودة عبد الصادق إبراهيم
تولّي «كيتنج» وإقصاء الكفاءات الوطنية.. فصل من الهيمنة الاستعمارية على مدرسة الطب
شهدت مدرسة الطب بقصر العيني عام 1898 نقطة تحول حاسمة في تاريخها، مع تولي الدكتور «كيتنج» رسميًا رئاسة المدرسة، لتدخل المؤسسة الطبية العريقة مرحلة اتسع خلالها النفوذ الأجنبي، وتعرضت فيها منظومتها العلمية والوطنية لهزة قوية.
ولم يكن تولي «كيتنج» مجرد تغيير في القيادة، بل ارتبط بسياسات أدت إلى تراجع الدور المصري داخل المدرسة، من بينها توقف البعثات العلمية إلى الخارج، وتضييق المجال أمام عدد من القامات الطبية الوطنية التي أسهمت على مدار عقود في بناء النهضة العلمية وترسيخ مكانة قصر العيني.
وفي ظل هذه الظروف، أُبعد عدد من كبار الأساتذة المصريين عن مواقعهم، بينما اختار آخرون الانسحاب حفاظًا على مكانتهم العلمية وكرامتهم المهنية، ومن بينهم حسن خورشيد بك، ومحمد علوي بك، وعثمان غالب بك، ومحمد دري بك، الذي وصل حرصه على نشر العلوم الطبية إلى إنشاء مطبعة خاصة على نفقته.
ومع استمرار تراجع حضور الكفاءات الوطنية، بدأ الأطباء الأجانب في تولي مواقعهم داخل مختلف التخصصات، لتتقلص تدريجيًا مشاركة الأساتذة المصريين، ويتعرض النظام العلمي الوطني الذي قامت عليه المدرسة لضربة قوية.
وبحلول عام 1899، لم يتبقَّ من الأساتذة المصريين في قصر العيني سوى الدكتور محمد شكري باشا، أستاذ أمراض النساء والولادة، الذي تقدم باستقالته احتجاجًا على الأوضاع التي آلت إليها المدرسة. وتضامن معه عدد من مساعديه، من بينهم الدكتور طلعت بك، وعلي بك حيدر، وليب بك.
ولم تتوقف آثار هذه المرحلة عند حدود التغيير الإداري، وإنما امتدت إلى العملية التعليمية نفسها؛ إذ تراجعت أعداد الطلاب بصورة حادة، حتى لم يتخرج في عام 1899 سوى طبيبين اثنين فقط.
وفي المقابل، أصبح الأساتذة الأجانب أصحاب السيطرة على مختلف الأقسام والمناصب العلمية؛ فتولى كيتنج تدريس التشريح، وويلسون الفسيولوجيا، وسير روفر ثم سمرز الباثولوجيا، وساندويث الأمراض الباطنية، وملتون ومادن الجراحة، وسكوت ثم فيشر طب العيون، وأرثر لوس الطفيليات، وسيكنبرجر ثم شميت الكيمياء.
وهكذا تكشف هذه المرحلة عن تراجع واضح في أعداد الطلاب والأطباء، وتقلص حضور الكفاءات المصرية داخل مدرسة الطب، في ظل السياسة الاستعمارية التي ارتبطت بإدارة اللورد كرومر، والتي استهدفت إحكام السيطرة البريطانية على مقدرات المدرسة وإضعاف دورها العلمي وإقصاء كوادرها الوطنية.
لكن هذا الفصل الصعب لم يكن نهاية قصة قصر العيني، وإنما كان بداية لمعركة وطنية من أجل استعادة المدرسة لدورها ومكانتها، وإعادة الاعتبار إلى العقول المصرية التي حملت راية الطب والتعليم الطبي.
فكيف أحكم اللورد كرومر قبضته على مدرسة الطب؟ وكيف واجهت العقول المصرية محاولات الإقصاء والتهميش؟
هذا ما نكشف تفاصيله وأبعاده في الحلقة المقبلة من سلسلة «قصر العيني.. قصة 200 عام».


