كتب جودة عبد الصادق
غادرت مجموعة من موظفي «البيت الروسي» في برلين العاصمة الألمانية متجهة إلى موسكو، بعد إغلاق المركز الثقافي بأمر من السلطات الألمانية، في خطوة جديدة تعكس حجم التوتر المتصاعد بين موسكو وبرلين، وتلقي بظلالها على العلاقات الثقافية بين البلدين.
ووصلت المجموعة الأولى من العاملين إلى موسكو على متن طائرة، حيث كان في استقبالهم إيغور تشايكا، رئيس وكالة «روسوترودنيشستفو» الروسية، الذي أكد استعداد الوكالة لمساعدتهم في استكمال مسيرتهم المهنية والاستفادة من خبراتهم.
وأوضح تشايكا أن الوكالة تدرس فرص عمل مختلفة للموظفين العائدين، سواء داخل الجهاز المركزي أو في بيوت روسية أخرى حول العالم، إلى جانب إمكانية الاستفادة منهم في منصات ومشروعات جديدة، مؤكدًا أن مستقبل كل موظف سيكون محل متابعة شخصية من رئيس الوكالة.
وفي مدينة نيجني نوفغورود الروسية، حظي عدد من العائدين باستقبال رسمي وشعبي، تضمن الورود والهدايا، فيما تواصل مجموعة أخرى من العاملين رحلتها عبر أوروبا، بهدف نقل الممتلكات والمقتنيات القيمة من مقر «البيت الروسي» الذي أُغلق في برلين.
ولم يكن «البيت الروسي» مجرد مقر إداري أو مؤسسة ثقافية عابرة، بل ظل لأكثر من أربعة عقود مركزًا للنشاط الثقافي والتعليمي الروسي في قلب العاصمة الألمانية، واستقبل خلال السنوات الخمس عشرة الماضية وحدها أكثر من 3 ملايين زائر.
ومن هنا تأتي أهمية إغلاقه؛ فالمسألة لا تتعلق بإغلاق مبنى فقط، وإنما بانتهاء فصل طويل من التواصل الثقافي بين الشعبين الروسي والألماني.
ويرى مسؤولون روس أن الروابط التاريخية والثقافية المشتركة بين البلدين لا يمكن محوها بقرار سياسي، معربين عن أسفهم لفقدان مؤسسة اعتبروها طوال سنوات جسرًا للتواصل بين المجتمعين.
وجاء إغلاق «البيت الروسي» بالتزامن مع إجراءات ألمانية أخرى تجاه المؤسسات الروسية، بعدما أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في الأول من سبتمبر الجاري أن بلاده ستغلق القنصلية العامة الروسية في بون اعتبارًا من 18 سبتمبر، إلى جانب إنهاء الاتفاق الخاص بأنشطة «البيت الروسي» في برلين.
وفي المقابل، اتخذت موسكو إجراءات مماثلة شملت إغلاق فروع معهد «غوته» في روسيا، وإغلاق القنصلية الألمانية في سان بطرسبورغ، مع منح موظفيها مهلة حتى 13 سبتمبر لمغادرة الأراضي الروسية.
وهكذا تتحول المؤسسات الثقافية والدبلوماسية، التي كانت في الماضي أدوات للتقارب والحوار، إلى جزء من تداعيات الخلاف السياسي بين موسكو وبرلين.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن تنجح القرارات السياسية في إغلاق المؤسسات، بينما تظل الروابط الثقافية والتاريخية بين الشعوب أقوى من الأبواب التي أُغلقت؟
فالمباني قد تُغلق، والموظفون قد يعودون إلى بلادهم، لكن الثقافة التي صنعتها عقود من التواصل بين الشعوب لا يمكن إلغاؤها بقرار إداري.


