بقلم د. شيماء أحمدين
من فوائد الاستقالة
لم أكن أظن أن للاستقالة فوائد.
كنت أراها، كما يراها كثيرون، نهاية فصل مهني؛ بابًا يُغلق، ومكتبًا نغادره، وبطاقةً وظيفية تفقد صلاحيتها، وروتينًا اعتدناه حتى أصبح جزءًا من تعريفنا لأنفسنا.
لكنني اكتشفت بعد حين أن بعض النهايات لا تأخذ منا فقط… بل تعيد إلينا أشياء فقدناها ونحن لا نشعر.
وأول ما أعادته إليّ استقالتي كان قلمي.
عاد إليّ بعد غياب طويل، كصديق قديم لم يعاتبني على انقطاعي، ولم يسألني أين كنت، ولماذا تركته وحيدًا كل هذه السنوات.
وجدته في المكان نفسه تقريبًا، ينتظرني بصبر غريب.
أمسكته، فشعرت أنني لا أمسك قلمًا، بل أستعيد جزءًا مني.
قلت له:
أين كنت يا صديقي؟
فكأنه أجابني:
أنا لم أذهب إلى أي مكان… أنتِ التي كنتِ مشغولة عني.
وهنا فقط فهمت.
لم يكن القلم هو الذي غاب.
أنا التي غبت.
غبت في زحام الاجتماعات، والمهام، والمواعيد، والرسائل، والتقارير، والمسؤوليات التي تبدأ قبل أن ينتهي سابقها.
كنا نظن أننا ندير الوقت، بينما كان الوقت يديرنا.
نستيقظ وفي رؤوسنا قائمة طويلة مما يجب أن ننجزه، وننام ونحن نفكر فيما لم ننجزه بعد.
وبين «يجب» و«ينبغي» و«عاجل» و«مهم» و«للمراجعة» و«للاعتماد»، كانت هناك أشياء صغيرة تتراجع بهدوء إلى آخر الصف.
كتاب لم نكمله.
فكرة لم نكتبها.
صديق لم نتصل به.
نافذة لم نقف أمامها طويلًا.
وقلم ينتظر.
لم أترك الكتابة لأنني لم أعد أحبها، بل لأن الحياة المهنية تعرف أحيانًا كيف تستولي على الإنسان بالتدريج.
لا تأخذ منك حياتك دفعة واحدة، بل تأخذ عشر دقائق هنا، وساعة هناك، ومساحة صغيرة من ذهنك كل مساء.
حتى يأتي يوم تكتشف فيه أنك أصبحت بارعًا في إنجاز كل شيء…
إلا الأشياء التي كانت تجعلك أنت.
ثم جاءت الاستقالة.
وفي الأيام الأولى، كان الصمت غريبًا.
ذلك الصمت الذي كنا نحلم به عندما كنا غارقين في الضجيج، فإذا حصلنا عليه لم نعرف ماذا نفعل به.
لا اجتماعات متلاحقة.
لا رسائل عاجلة.
لا ذلك الشعور المستمر بأن شيئًا ما ينتظر منك قرارًا.
وفجأة، وجدت نفسي أمام شخص كنت أؤجل اللقاء به منذ سنوات:
نفسي.
كان اللقاء مربكًا في البداية.
ماذا يفعل الإنسان حين لا يكون مطلوبًا منه أن ينجز شيئًا؟
ماذا يفعل حين لا يرن هاتفه ليذكّره بأنه مسؤول عن ملف أو موعد أو مشكلة؟
من نكون عندما تُسحب منا ألقابنا الوظيفية، وتبقى أسماؤنا وحدها؟
ربما كانت هذه إحدى أجمل هدايا الاستقالة وأكثرها قسوة:
أنها أجبرتني على إعادة التعارف مع نفسي.
اكتشفت أنني لست المسمى المكتوب تحت اسمي.
ولست المكتب الذي جلست خلفه.
ولست عدد الاجتماعات التي حضرتها، ولا الملفات التي أنجزتها، ولا حتى النجاحات التي افتخرت بها.
كل تلك الأشياء أجزاء من الرحلة، لكنها ليست الرحلة كلها.
هناك إنسانة أخرى كانت تسير إلى جوار كل ذلك.
تحب أن تقرأ بلا هدف.
أن تتأمل سؤالًا لا توجد له خانة في نموذج رسمي.
أن تكتب جملة لم يطلبها أحد.
أن تختلف مع نفسها، ثم تعود بعد يوم لتمحو نصف ما كتبته.
إنسانة كانت تحتاج فقط إلى بعض الهدوء كي تسمع صوتها.
وهنا عاد قلمي.
في البداية كتبنا بحذر، كصديقين فرّقتهما السنوات ويحاول كل منهما اكتشاف ما تغير في الآخر.
كتبت جملة.
ثم أخرى.
ثم وجدت الأفكار التي ظننت أنها ماتت تتدافع كأطفال فُتح لهم الباب بعد انتظار طويل.
كتبنا عن العمل.
ثم خرجنا من العمل.
كتبنا عن العلم والذكاء الاصطناعي والإنسان.
وعن الناس.
وعن الفقد.
وعن الحضور.
وعن تلك الأسئلة التي لا تمنحنا ترقية ولا شهادة ولا منصبًا، لكنها ربما تجعلنا أكثر فهمًا لأنفسنا وللحياة.
عندها أدركت أن الكتابة لم تكن هواية تركتها بسبب الانشغال.
كانت مساحةً داخلية كنت أحتاج إليها لأظل متصلة بنفسي.
ولهذا أصبحت أنظر إلى الاستقالة بطريقة مختلفة.
لا أجمّلها.
ولا أدّعي أن كل استقالة تحرر، أو أن ترك الوظيفة بطولة، أو أن الحياة خارج المؤسسات أسهل.
الاستقالة قرار مهني له ثمنه، وحساباته، ومخاوفه، وما يأتي بعده قد يكون أصعب مما سبقه.
لكن بعض القرارات، حتى وهي تأخذ منك شيئًا مهمًا، تمنحك فرصة نادرة لأن تسأل:
ماذا بقي مني بعد أن أضع المسمى الوظيفي جانبًا؟
سؤال يستحق أن نخاف منه قليلًا.
لأننا نقضي سنوات نبني سيرتنا المهنية، وقد ننسى في الطريق أن نبني سيرتنا الإنسانية.
نحدّث ملفاتنا المهنية، ونضيف الشهادات والخبرات والإنجازات، لكننا نادرًا ما نسأل:
ماذا أضافت هذه السنوات إلى روحي؟
هل أصبحت أكثر حكمة؟
أكثر رحمة؟
أكثر قدرة على الإصغاء؟
هل ما زلت أعرف الأشياء التي أحبها بعيدًا عما أتقنه؟
وهل بقي في داخلي شيء أفعله فقط لأنه يجعلني سعيدًا، لا لأنه مطلوب مني؟
بالنسبة إليّ، كانت إحدى الإجابات بسيطة جدًا:
قلم.
قلم عاد ليصبح مؤنس وحدتي وصديق روحي.
أختلف معه أحيانًا، وأهرب منه أحيانًا، وأعود إليه حين تضيق الكلمات في صدري.
لا يمنحني راتبًا.
لا يكتب لي تقييم أداء.
لا يعرف شيئًا عن الدرجات الوظيفية.
ولا يهتم كثيرًا بالألقاب.
إنه يطلب مني شيئًا واحدًا فقط:
أن أكون صادقة عندما أكتب.
وربما لهذا أحبه.
ففي عالم نقضي فيه وقتًا طويلًا ونحن نؤدي أدوارنا كما ينبغي، نحتاج إلى مساحة واحدة على الأقل لا نمثل فيها أي دور.
مساحة نكون فيها أنفسنا فقط.
واليوم، عندما يسألني أحدهم عن فوائد الاستقالة، أبتسم.
لها فوائد كثيرة ربما لم أكتشفها كلها بعد.
لكنني أعرف واحدة منها يقينًا:
أعادت إليّ قلمي.
والأجمل أنها لم تعد إليّ بالقلم وحده.
لقد أعادت إليّ شيئًا كنت أبحث عنه طويلًا دون أن أعرف أنني فقدته:
أعادتني إليّ.
فمرحبًا بك يا صديقي القديم.
هذه المرة لن أعدك بأنني لن أنشغل عنك.
فالحياة ستظل حياة، وستعود المشاغل، وستولد مسؤوليات جديدة.
لكنني أعدك بشيء أكثر صدقًا:
كلما ابتعدت كثيرًا، سأعرف طريق العودة.
فقد تعلمت أخيرًا أن الإنسان قد يستقيل من وظيفة…
لكن عليه ألّا يستقيل أبدًا من الأشياء التي تجعله حيًا.
وعاد إليّ قلمي…
مؤنس وحدتي، وصديق روحي.
ومن كان يظن أن تكون هذه…
من فوائد الاستقالة؟



