كتب جودة عبد الصادق
في تحرك دبلوماسي جديد يؤكد تصاعد الرفض الدولي للسياسات الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، رحبت مصر وسبع دول عربية وإسلامية بقرار الحكومة البريطانية حظر استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض قيود على الخدمات المرتبطة بها.
وضم البيان المشترك وزراء خارجية مصر وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية، الذين أعربوا عن أملهم في أن تمثل الخطوة البريطانية بداية لتحرك دولي أوسع، يدفع دولًا أخرى إلى اتخاذ إجراءات مماثلة تتوافق مع القانون الدولي.
وأكد الوزراء أهمية محاسبة المنظمات الاستيطانية والأفراد المشاركين في الأنشطة الاستيطانية غير القانونية، معتبرين أن مواجهة الاستيطان لا ينبغي أن تظل مجرد مواقف سياسية، وإنما يجب أن تتحول إلى إجراءات عملية وملموسة.
ورحب الوزراء كذلك بالبيان المشترك الصادر عن عدد من الدول الأوروبية وكندا بشأن دعم حل الدولتين، والذي تضمن توجهات لفرض قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة السلع المرتبطة بالمستوطنات غير القانونية، إلى جانب دراسة إجراءات أخرى وفقًا للتشريعات الوطنية لكل دولة.
ودعت الدول الثماني المجتمع الدولي إلى البناء على هذه الخطوات، واتخاذ تدابير ملموسة توقف الأنشطة التي تدعم أو تسهم في استمرار المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
واستند الوزراء في موقفهم إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2334 الصادر عام 2016، إلى جانب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024.
وشددوا على ضرورة عدم الاعتراف بشرعية الأوضاع الناشئة عن الاحتلال، وعدم تقديم أي عون أو مساعدة من شأنها الإبقاء على تلك الأوضاع، مجددين دعوتهم لإسرائيل إلى إلغاء التدابير المتعلقة بالأنشطة الاستيطانية والإجراءات الرامية إلى تغيير الطابع الجغرافي والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة.
غزة جزء من الدولة الفلسطينية
وفيما يتعلق بقطاع غزة، أكد الوزراء أنه جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، داعين إلى التنفيذ الكامل والفوري لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، بما يضمن الأمن والاستقرار، والتعامل مع الأوضاع الإنسانية، وتسهيل إعادة الإعمار والتعافي.
وأكدت الدول المشاركة أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من خلال إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وإنما عبر معالجة جذوره السياسية وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وجدد الوزراء التأكيد على أن حل الدولتين يظل السبيل الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق سلام عادل ودائم وشامل، من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة، على أساس خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وتحمل المشاركة المصرية في هذا التحرك دلالة سياسية مهمة، فالقاهرة تواصل التأكيد على أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها، وأن أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة يجب أن تقوم على أسس سياسية واضحة تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني وتفتح الطريق أمام سلام حقيقي ومستدام.
المعركة الدبلوماسية حول الاستيطان لم تعد مجرد خلاف على قرارات ومواقف، وإنما أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل مبادئ القانون الدولي إلى إجراءات على أرض الواقع.
ويبقى الرهان الأهم: هل تتحول العقوبات البريطانية والخطوات الأوروبية إلى مسار دولي أوسع يضع حدًا للتمدد الاستيطاني، ويفتح الطريق أمام تسوية سياسية حقيقية للقضية الفلسطينية؟
فالسلام لا يصنعه الصمت، والدولة الفلسطينية لا يمكن أن تولد من فراغ، وإنما تحتاج إلى إرادة دولية تحمي الأرض والإنسان والقانون.


