الدكتور محمد دري باشا.. «سيد الجراحين في زمانه» ورائد التأليف الجراحي بالعربية
جودة عبد الصادق إبراهيم
في مسيرة قصر العيني الممتدة لنحو قرنين من الزمان، برزت أسماء علمية وطبية صنعت جانبًا مهمًا من تاريخ الطب المصري الحديث، وأسهمت في تحويل هذا الصرح من مجرد مؤسسة للتعليم والعلاج إلى مدرسة طبية ذات تأثير واسع في مصر والمنطقة.
ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم الدكتور محمد دري باشا (1841–1900م)، أحد أبرز رواد الجراحة والتشريح في مصر خلال القرن التاسع عشر، والذي وصفه الدكتور علي باشا إبراهيم بأنه «سيد الجراحين في زمانه»، لما امتلكه من علم وخبرة وإسهامات تركت أثرًا واضحًا في تاريخ الجراحة والتعليم الطبي.
محمد دري باشا.. رحلة بدأت من مدرسة المبتديان
بدأ محمد دري رحلته التعليمية في السابعة من عمره، عندما التحق بمدرسة المبتديان عام 1264هـ، إلا أن قرار عباس باشا الأول بإلغائها بعد بضعة أشهر دفعه إلى الانتقال مع عدد من زملائه إلى المدرسة التجهيزية بالأزبكية، ثم إلى مدرسة أبي زعبل.
وبعد أن أتم دراسته بها أو قارب على إتمامها، وقع عليه الاختيار للالتحاق بمدرسة المهندسخانة في بولاق، التي كانت تحت إدارة علي مبارك باشا.
ورغم انتظامه في دراسة الهندسة، ظل شغفه الحقيقي متجهًا إلى الطب، حتى نجح بعد محاولات وصبر في الالتحاق بمدرسة الطب عام 1269هـ، الموافق 1852–1853م.
الكوليرا تعطل مسيرته.. وتصنع خبرته الأولى
لم يكد محمد دري يصل إلى الفرقة الثالثة حتى تعرض مساره العلمي لعقبة جديدة، بعدما أصدر سعيد باشا قرارًا بإغلاق مدرسة الطب وتوزيع طلابها وفقًا لأعمارهم.
وبسبب كونه من متوسطي السن، أُلحق بـ«الشوشخانة السعيدية»، وهي أورطة عسكرية، ثم عُيّن ممرضًا بالجيش، وظل ينتقل بين وحداته حتى رُقّي إلى رتبة «جاويش».
وخلال وباء الهيضة «الكوليرا» عام 1272هـ، الموافق 1855–1856م، شارك دري في رعاية المرضى وعلاجهم، وبدأ في تدوين ملاحظاته العلمية حول المرض، لتتحول هذه الخبرة لاحقًا إلى أساس لأحد مؤلفاته في الأمراض الوبائية.
العودة إلى قصر العيني من بوابة التدريس
مع عودة كلوت بك إلى مصر عام 1273هـ وإعادة فتح مدرسة الطب، خضع محمد دري لامتحان أعاده إلى فرقته السابقة، ليواصل دراسته حتى تخرج طبيبًا.
وعقب تخرجه، عُيّن مساعدًا ومعيدًا لعلم الجراحة براتب شهري بلغ ثلاثة جنيهات، أي 300 قرش، ليعود بذلك إلى قصر العيني من بوابة التدريس، بعد أن كادت قرارات إغلاق مدرسة الطب أن تحول دون استكمال حلمه العلمي.
سبع سنوات في فرنسا لصناعة جراح مصري
في عام 1279هـ/1862م، أُوفد محمد دري ضمن بعثة طبية إلى باريس للتخصص في الجراحة، وكان أصغر أعضاء البعثة سنًا ورتبة.
وعندما صدر قرار لاحق باستدعاء أفراد البعثة إلى مصر، استُثني دري لصغر سنه، فواصل دراسته وتدريبه على أيدي عدد من أشهر جراحي فرنسا، وفي مقدمتهم أوغست نيلاتون والدكتور نيليو.
ولازم عيادة نيلاتون الجراحية لمدة عامين كاملين، حتى أشاد أستاذه باجتهاده وإقباله على العمل، مؤكدًا أنه «قل أن يوجد له نظير» في الاستفادة مما يشاهده ويتعلمه.
واصل دري مسيرته العلمية والعملية حتى حصل على درجة الدكتوراه، وعندما زار الخديوي إسماعيل فرنسا، أثنى نيلاتون وعدد من الأطباء الفرنسيين على كفاءته واجتهاده.
وحصل دري على دعم لشراء الكتب والآلات الجراحية والقطع التشريحية، وعاد بها إلى مصر عام 1286هـ/1869م، بعد نحو سبع سنوات من الدراسة والتدريب في فرنسا.
من الإسكندرية إلى قيادة جراحة قصر العيني
بدأ محمد دري عمله عقب عودته إلى مصر في الإسكندرية، حيث عُيّن حكيمباشي لقسم العطارين، ثم طبيبًا ثانيًا لقسم الجراحة بمستشفى الإسكندرية.
وفي أواخر عام 1288هـ/1871م، نُقل إلى القاهرة ليعمل معلمًا ثانيًا لعلم التشريح، و«جراح باشي» لمستشفى النساء بقصر العيني.
وفي عام 1291هـ، عُيّن معلمًا أول للتشريح، ورُقّي إلى رتبة «بكباشي»، قبل أن ينال رتبة «أميرالاي» عام 1294هـ/1877م، ويتولى منصب أستاذ أول للجراحة والإكلينيك الجراحي وكبير جراحي قصر العيني.
جراح قصر العيني في ساحات الحرب
لم يقتصر عطاء محمد دري باشا على العمل داخل المستشفى، بل امتد إلى ميادين الحرب، إذ رافق الجيش المصري المشارك في الحرب العثمانية الروسية خلال عامي 1877 و1878.
وتولى رئاسة مستشفى صوفيا العسكري، وقدم خدماته الطبية للمرضى والمصابين، وحصل على نيشان الحرب تقديرًا لجهوده.
«مجموعة محمد دري باشا الحكيم».. الطب بالتوثيق
داخل قصر العيني، جمع محمد دري بين مهارة الجراح ومنهج الباحث الدقيق، فكان يسجل بيانات مرضاه وتشخيصاتهم وعلاجاتهم وتطور حالاتهم في دفاتر مفصلة.
وجمع هذه المادة العلمية وأهداها إلى قصر العيني تحت اسم «مجموعة محمد دري باشا الحكيم»، كما أسهم في إثراء المجموعات التعليمية بالمدرسة بما جلبه من نماذج وقطع تشريحية من أوروبا، إلى جانب ما جمعه ووثقه من حالات جراحية وحصوات وأورام ونواسير وصور ملونة للأمراض.
وهكذا تحولت هذه المواد إلى أدوات للتدريس والتدريب، ولم تعد مجرد مقتنيات محفوظة للعرض، لتصبح جزءًا من الذاكرة العلمية لقصر العيني.
«المطبعة الدرية».. عندما تحولت المعرفة إلى مشروع
لم تتوقف إسهامات محمد دري باشا عند الجراحة والتدريس والتوثيق، بل امتدت إلى نشر المعرفة الطبية باللغة العربية.
فقد أسس على نفقته الخاصة «المطبعة الدرية» في منزله بحارة السقايين في عابدين، وجهزها لطباعة مؤلفاته ومؤلفات زملائه، دعمًا لحركة التأليف والنشر الطبي باللغة العربية.
ومن أبرز مؤلفاته كتاب «بلوغ المرام في جراحة الأقسام»، وهو مؤلف موسوعي مزود بالرسوم والأشكال، صدر منه ثلاثة مجلدات في حياته، بينما كان الجزء الرابع قيد الطبع عند وفاته.
كما ألّف «جراحة الأنسجة»، و«مختصر الأورام»، و«تذكار الطبيب»، الذي جمع فيه الوصفات الطبية لمشاهير أطباء قصر العيني، إلى جانب مؤلفاته في الهيضة والأمراض الوبائية.
إحالته إلى المعاش.. بداية تحول جديد
ظل محمد دري باشا أستاذًا أول للجراحة في قصر العيني حتى فُرضت اللغة الإنجليزية لغةً للتدريس في إطار إعادة تنظيم المدرسة وفق النموذج الإنجليزي، فأُحيل إلى المعاش.
ولم تكن هذه الخطوة مجرد نهاية لمسيرة أستاذ كبير، وإنما جاءت في سياق تحول أوسع طال هوية التعليم الطبي وإدارته، بالتزامن مع تصاعد النفوذ الأجنبي وإزاحة اللغة العربية وكوادر المدرسة الطبية المصرية عن صدارة المشهد، بعدما أسهمت لعقود في تأسيس تقاليد راسخة للتعليم والتأليف الطبي باللغة العربية.
محمد دري باشا.. إرث يتجاوز حدود الزمن
توفي الدكتور محمد دري باشا في القاهرة ليلة 30 يوليو 1900م، بعد مسيرة حافلة جسدت قدرة الطبيب المصري على الجمع بين المهارة الجراحية والتعليم والبحث والتوثيق والتأليف ونشر المعرفة.
وتظل سيرته واحدة من الشواهد المهمة على الدور الذي لعبه قصر العيني في صناعة الكوادر الطبية المصرية؛ فلم يكن الصرح مجرد متلقٍ للعلوم الطبية القادمة من الخارج، بل كان مؤسسة تصنع علماءها، وترسلهم إلى أرقى المدارس الطبية في العالم، ثم تستعيد خبراتهم لتوظفها في بناء مدرسة طبية وطنية ذات تأثير ممتد في مصر والمنطقة.
ومن هنا، فإن استعادة سيرة محمد دري باشا ضمن قصة قصر العيني الممتدة لنحو 200 عام، تكشف جانبًا مهمًا من تاريخ مصر العلمي، وتؤكد أن قوة المؤسسات الطبية لا تقاس فقط بما تقدمه من علاج، وإنما بما تتركه من علماء ومدارس علمية وكتب ومناهج وذاكرة معرفية تمتد آثارها عبر الأجيال.


