د. سلمى أرباب
مجانين الكلمة !!
هم أشخاص خرجوا عن المألوف، سلامهم بالروح قبل اليدين، ووصلهم يمتد رغم المسافات، تسلحوا بخفة أرواحهم في وجه تفاهة العقول الحديثة، يتشبث أحدهم بالآخر كعناق السحاب للبحر، وخلافهم مبارزة بأرقى الكلمات، يسيرون عبر الأزمان في حالة عشقية فريدة لا تخضع لمسمى معين إلا إنها تحيي أرواح أصحابها ،
“مجانين الكلمة” ليس مجرد عنوان، بل هو مدخل لعالم موازٍ يتنفس فيه العشّاق بالمعنى لا بالحروف.
رحلة غنية حول تجلي الروح والكلمة!
وهنا يحضرني سؤال وجودي: كيف ينظر العرف التقليدي أو المادي لهؤلاء العشّاق؟! فالجنون هنا ليس غياباً للعقل، بل هو تجاوز لعادية الأشياء ووصول لإدراك أرقى.
“في ميزان الواقع المادي، يُقاس المرء بما يملك، وبما يقدمه من إجابات حاسمة وأرقام مدونة، أما هؤلاء “المجانين”، فيعيشون في منطقة لا تُقاس بالأبعاد؛ منطقة تقع تماماً بين الهمسة والفكرة. نظر العرف التقليدي إليهم دوماً بشيء من الشفقة الممزوجة بالدهشة؛ كيف لإنسان أن يتغذى على شجن قصيدة؟ وكيف لرسالة مكتوبة بخط اليد أن ترمم خراب عام بأكمله؟
إنهم في نظر العالم السطحي غريبون، لأنهم لا يتصارعون على المداخل والمخارج، بل يتصارعون على المعنى. العقل المادي يرى في تمسكهم بالكلمة “جنوناً” لأنه يجهل أن الكلمة لديهم ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وطن، وملاذ، ودرع يقي أرواحهم الرقيقة من جفاف العصر. هم لم يفقدوا عقولهم، بل أسقطوا عن أرواحهم أقنعة الزيف، واختاروا أن يحيوا بالحقيقة الوحيدة التي لا تفنى: صدق الشعور وإعجاز البيان.”
وعندما يعبر الخلاف أروقتهم، لا يرتدون دروع القسوة، ولا يلتجئون إلى حبال الصمت الجاف. إن خلافهم ليس معركة لإثبات الذات، بل هو “مبارزة رقيقة” تسعى لاستعادة التناغم المفقود. هنا تتحول الكلمة في أفواههم إلى بلسمٍ ينهمر برفق، يسقطون حظوظ أنفسهم، وتصبح العتابات لديهم قصائد مشفوعة بالرجاء، لا مطارق تجرح الكبرياء.
إنهم يختلفون بحديثٍ أشبه بالهمس؛ يعاتِبون ليرمّموا الجسر، لا ليهدموا الوصل. لا يسعون إلى الانتصار المكذوب في معارك الألفاظ، بل يقاتلون بشراسة من أجل حماية ذلك المعنى الجميل الذي جمعهم. الكلمة عندهم في لحظة الخلاف ليست سيفاً يُشهر، بل هي كفٌّ حانيةٌ تمتد في العتمة لتسحب الآخر نحو النور، فيخرج الكبرياء من نفوسهم مطأطئ الرأس أمام سلطة المحبة وسموّ الروح.
“أما وصلهم، فيمتد شاهقاً عبر أثيرٍ لا تطاله الجغرافيا ولا تحده الأبعاد. غيابهم لا يقطع الوصل، بل يزيد صفاء أرواحهم توهجاً؛ تتلاقى أرواحهم بين سطور الغزل الصريح بخفةٍ أثيرية يسمو بها ترابطهم، ليتخطى أفق العلاقات الجسدية والنفسية المتعارف عليها، عابراً كل حدود المنطق المألوف. إنهم يروون شبق الشوق بعاطفةٍ تشرق بنهجٍ يختلف تماماً عن السائد؛ غزلٌ لا يبتذل الشعور ولا يدنسه بالطين، بل يرفع الشوق إلى مرتبة النور.
يتلامسون بالفكرة، ويتعانقون بالمجاز، ويجعلون من الكلمة جسداً ينبض بالدفء عبر القارات. لا يحتاجون لتشابك الأيادي كي يشعروا بالدفء، فكلمةٌ واحدةٌ صادقة في نصٍّ دافئٍ كفيلةٌ ببلسمة الجراح وإلغاء المسافات. عاطفتهم ليست مجرد تجاذبٍ حسي، بل هي إشراق روحاني يرى في الآخر سكناً وملاذاً وأرضاً لا تغرب عنها شمس الوصل.”
وهنا ينكشف السحر الأكبر، ويكتمل جوهر الربط الفريد؛ فالكلمة ليست مجرد صدىً يزول بزوال قائلها، بل هي الكائن الوحيد الذي يستعصي على الفناء. ولعلّ أصدق مثالٍ وغايةٍ في الجلال، هو خلود كلمات القرآن الكريم؛ فقد مضت القرون، ورحلت الأشخاص، وانقضت الحوادث والعِبر، وبقيت كلمة الله تعالى خالدةً تتجدد مع كل تلاوة، حاضرةً كأنها تُنزل اللحظة.
ما أسمى أن نستلهمَ من هذا الخلود الإلهي قوة الكلمة وأثرها عبر الأزمان! إنها الوحي والقبس الذي يستمد منه هؤلاء “المجانين” يقينهم؛ ليدركوا أن تأثير الكلمة الصادقة ووجودها لا يضاهيه أي شيء آخر في هذا الوجود. قد تفنى أجساد العشاق، وتتغير جغرافيا الأرض، لكن الكلمة التي قيلت بحب، وكتبت بصدق، تظل حيةً تهب الأرواح الحياة، وتثبت أن من يعيش بالكلمة ولأجلها، إنما يلامس أطراف الخلود.


