كتبت د. سلمى أرباب
ثمن الوجود: حين يتحول الرضا من استسلام إلى فلسفة عيش
خرج من قلب الريف البسيط مُتحشداً بالحلم، كاسراً قيود المألوف ليصنع واقعاً مختلفاً. أفنى عمره في سعي لا يهدأ؛ انتزع التعليم العالي والوظيفة المرموقة، واستقر في المدينة ليبني بيتاً آمناً ورغداً لم يذق هو طعمه صغيراً. لكنه، وفي غمرة عطائه، وجد نفسه مسجوناً في ظلمة «السخط الدائم»؛ عالم لا يرى ما أُنجز، ولا تعب الأعوام، بل يتطلع بعيون ناقده ومقارنات لا تنتهي إلى ما لدى الآخرين: «لماذا لا نكون مثل فلانه وفلان ؟». كم كان يحتاج هذا الرجل، عند تتويج رحلته الطويلة، إلى كلمة واحدة ترمم تعب العقود: «شكراً لك، نحن نرى مجدك ونُقدّر ما خضته لأجلنا». إن فارق العمر كله، ولذة الحياة بأكملها، كانا يتكثفان في لحظة يحل فيها الامتنان محل المقارنة، والرضا محل الطمع.
ومن هنا يبرز المعنى الحقيقي لـ ” ضريبة الحياة ” ولماذا يدرك البعض مغزاها و لماذا يعتبرها البعض ” منغصات الحياة ” ؟!!
لم يُخلق هذا العالم ليُصمم على مقاس أوهامنا، ولم تكن الحياة يوماً ممهدة بكاملها لتسير على نهج واحد مستقيم. منذ بدء الخليقة، صيغت حركة الكون وفق قانون لا يتخلف: مدّ وجزر، ارتفاع وهبوط، وانكسارات تولد من رحمها أصلب الخطوات. في هذه الدوامة المستمرة، يقف الإنسان أمام حقيقة كبرى: إن لكل شروق تشرقه في روحك، ولرغبتك في الحضور والتحقق، ضريبة يجب أن تُدفع.
ليست «ضريبة الحياة» عقاباً تُساق إليه رغماً عنك، ولا قدرية سلبيّة تدعوك للإنحناء المستكين؛ بل هي الثمن النبيل لكونك حياً تتفاعل، تحاول، وتسعى. كل سقطة تسبق خطوة ناجحة، وكل ألم يسبق نضجاً جديداً، ليس سوى استحقاق واجب لكي تذوق طعم الوجود. الضريبة هنا هي الاستثمار في التجربة البشرية بكامل ثقلها وجمالها.
تتجسد الفاجعة الكبرى في أولئك الذين سقطوا في فخ «الاستحقاقية المطلقة»، ظانين أن العالم مدينٌ لهم بالكمال لمجرد وجودهم. يتشبثون بشعار: «أنا أستحق الأجمل، الأغلى، والأعظم»، مستبعدين من حساباتهم تماماً أن الاستحقاق البشري ليس شيكاً على بياض، ولا تتويجاً بغير سعي أو صمود. هؤلاء هم من رفضوا، بكبرياء زائف، دفع أدنى ضريبة للحياة؛ فعاشوا في انتظار هدايا القدر على طبق من ذهب، وحين تلوح لهم التجارب بنكسة أو اختبار، ينقلب رضاهم إلى سخط عارم واستياء مسموم، ينكبّ أثره على من حولهم قبل أن يأكل أرواحهم.
إن التمسك بذات متضخمة ترى أنها أعلى من أن تُحرم ، أو أرقى من أن تمر بمحطات التعثر، هو في جوهره هروب من نضج التجربة. الحقيقة الساطعة التي يغفل عنها أصحاب «الأنا» المتضخمة، هي أنه مهما بلغت درجة استحقاقك، وسعيك، وجمالك ، سيبقى هناك دوماً شيء ما لن ينال شكليته التي تمنيتها بالتمام. قد تتوق النفس إلى صورة ذهنية محددة للنجاح، أو السعادة، أو العلاقة المثالية، وتظن أنها المستحق الوحيد لها بهذه التفاصيل الدقيقة، فتغلق عينيها عما سواها.
وهنا يكمن سر الأقدار؛ فما تحسبه حرماناً أو تأخراً ليس إلا إعادة صياغة إلهية لمفهوم العطاء. ربما لا يأتيك الشيء بالشكل الذي رسمه خيالك المحدود، بل يهبه الله لك في قالب أعمق، وأبقى، وأجمل بكثير مما كنت تتخيل، لكن هذا التجلي يتطلب من الروح عبور جسر «الصبر». فالصبر ليس الانتظار السلبي لمرور الوقت، بل هو الرضا الفعال الذي يدرك أن ما غُيّب عنك صورياً، يرمم ذاتك جوهرياً.
إن السعادة الحقيقية ليست حظاً يُمنح للمحظوظين، ولا مصادفة تُلقى في طريق الغافلين؛ بل هي حالة استنارة روحية تتشكل لدى من أدركوا أن الأقدار لا تُقاس بظواهرها، وأن العطاء الإلهي قد يأتي في صور متخفية من الصبر والامتحان. حين يتخلى الإنسان عن شروطه الضيقة على الحياة، ويتقبل عبورها بقوانينها هي لا بقوانينه هو، يبدأ بالعيش فعلياً.
في نهاية هذه الرحلة، يتضح أن ضريبة الحياة ليست سوى ثمن النضج. ومن يدفعها بقلب راضٍ، لا يربح ذاته فحسب، بل يكتشف أن كل مرارة احتملها بشرف، وكل خطوة صبر فيها بيقين، كانت تمهد له الوصول إلى نسخة أعمق وأجمل وأكثر سلاماً من نفسه.


