بقلم: جودة عبد الصادق
ليست اللغة مجرد كلمات نرددها، ولا أصواتًا تتعاقب على الألسنة، ولا شهادةً نعلقها على جدار لنثبت بها أننا أكثر علمًا أو أكثر تحضرًا من غيرنا. اللغة وطنٌ يسكن في الإنسان قبل أن يسكن الإنسان فيه، وذاكرة أمة، وعنوان شخصيتها، وأحد أهم مفاتيح قوتها حين تعرف كيف تحافظ على لسانها، وكيف تفتح في الوقت نفسه نوافذها على العالم.
ومن هنا، فإن الحديث عن مستقبل اللغات في بلادنا العربية لا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين لغة ولغة، ولا إلى خصومة بين العربية والإنجليزية أو الفرنسية، وإنما يجب أن يكون سؤالًا أكبر وأعمق: هل نحن الذين نمتلك قرار اللغة، أم أن اللغة هي التي أصبحت تمتلك قرارنا؟
لقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تُقاس فقط بما تملك من أرض وثروات وجيوش، وإنما بما تملكه من وعي بذاتها وقدرتها على صناعة مستقبلها. واللغة في قلب هذا الوعي؛ لأنها الأداة التي يفكر بها الإنسان، ويقرأ بها تاريخه، ويصوغ بها أفكاره، وينقل بها علمه إلى الأجيال.
ولهذا فإن الحفاظ على العربية ليس موقفًا ضد لغات العالم، كما أن تعلم الإنجليزية ليس إعلانًا عن التخلي عن الهوية.
المشكلة ليست في أن تتعلم لغة جديدة، وإنما في أن تفقد نفسك وأنت تتعلمها.
نحن في حاجة إلى الإنجليزية، نعم، ولكننا لسنا في حاجة إلى أن نصبح إنجليزًا.
نحتاج إليها لأنها لغة واسعة الحضور في العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والبحث العلمي والفضاء الرقمي، ولأن كثيرًا من المعرفة الحديثة يصل إلينا بها، ولأن العالم لم يعد ينتظر من يريد اللحاق به.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لم يعد امتلاك أدوات المعرفة رفاهية. أصبحت اللغة وسيلة من وسائل القوة، وأصبح الطالب الذي يستطيع الوصول إلى مصادر المعرفة بلغاتها الأصلية أكثر قدرة على المنافسة، وأصبح الباحث الذي يقرأ الأبحاث العالمية مباشرة أكثر قدرة على إنتاج معرفة جديدة بدل الاكتفاء باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
لكن هنا يجب أن نتوقف عند سؤال بالغ الأهمية:
هل نتعلم الإنجليزية لكي نفتح عقولنا على العالم، أم لكي نغلق أبوابنا أمام أنفسنا؟
هناك فارق هائل بين الأمرين.
الأمة الواثقة من نفسها لا تخاف من تعلم لغات الآخرين، بل تفعل ذلك وهي أكثر تمسكًا بجذورها. الياباني لم يتخل عن اليابانية لأنه تعلم الإنجليزية، والصيني لم يتخل عن لغته لأنه انفتح على العالم، والأمم الكبرى لم تصبح قوية لأنها أغلقت أبوابها، وإنما لأنها تعلمت كيف تأخذ من العالم ما تحتاج إليه دون أن تسمح للعالم بأن يعيد تعريفها.
وهذه هي المعادلة التي نحتاج إليها في عالمنا العربي:
نتعلم لغة الآخر، لكن لا نستعير هويته.
نقرأ علمه، لكن لا نستعير نظرته إلى أنفسنا.
نستفيد من تجربته، لكن لا نتنازل عن حقنا في اختيار طريقنا.
العربية ليست عائقًا أمام التقدم، كما أن الإنجليزية ليست طريقًا سحريًا إلى الحضارة.
الحضارة لا تسكن في الأبجدية، وإنما في العقل الذي يستخدمها.
والمشكلة الحقيقية لا تكمن في اللغة التي يتعلمها الإنسان، وإنما في العقل الذي يتعامل معها. فإذا تعلم الإنسان الإنجليزية ليقرأ العلم ويطور نفسه ويخدم وطنه، فقد امتلك أداة قوة. أما إذا جعل منها مقياسًا لقيمته، وبدأ ينظر إلى لغته وأهله بعين النقص، فقد تحول المفتاح في يده إلى قيد.
وهنا تأتي مسؤولية المدرسة والجامعة والأسرة والإعلام.
يجب أن نربي أبناءنا على فكرة بسيطة لكنها عظيمة: تعلموا كل لغات العالم، ولكن لا تنسوا لغة الوطن.
افتحوا كتب العلم بالإنجليزية، واقرأوا الأبحاث الفرنسية، وتعلموا لغات آسيا وأوروبا، وتواصلوا مع العالم كله، ولكن حين تعودون إلى وطنكم يجب أن تكون لديكم القدرة على إنتاج العلم والمعرفة بلغتنا أيضًا.
فالأمة التي لا تنتج المعرفة بلغتها تظل في كثير من الأحيان مستهلكة لمعرفة الآخرين.
نحن لا نريد طالبًا يحفظ آلاف الكلمات الإنجليزية ولا يستطيع أن يعبر عن فكرة عميقة بلغته العربية. ولا نريد خريجًا يتحدث بلسان أجنبي بطلاقة، بينما يعجز عن قراءة تاريخه أو فهم ثقافته أو الدفاع عن قضايا وطنه.
نريد إنسانًا متعدد اللغات، واسع الأفق، قوي الشخصية، يعرف العالم ولا يذوب فيه.
وهنا يجب أن نعيد الاعتبار إلى العربية باعتبارها لغة علم وفكر، لا مجرد لغة تراث.
العربية التي حملت علوم الفلك والطب والرياضيات والفلسفة والأدب قادرة على أن تكون لغة المستقبل إذا امتلكنا الإرادة لصناعة المستقبل بها.
ليس المطلوب أن نعيش في الماضي، وإنما المطلوب أن نأخذ من الماضي الثقة التي تساعدنا على صناعة الغد.
والإنجليزية لا ينبغي أن تكون بديلًا عن العربية، وإنما جسرًا إلى المعرفة العالمية.
أما الفرنسية وغيرها من اللغات، فلا ينبغي أن تتحول إلى خصم سياسي أو ثقافي. اللغات أدوات، والإنسان هو الذي يحدد وظيفتها ومكانتها.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستبدل تبعية لغوية بتبعية أخرى.
فمن الخطأ أن نقول: خرجنا من الفرنسية إذن يجب أن ندخل في الإنجليزية بلا حساب.
هذا ليس استقلالًا.
الاستقلال الحقيقي أن نمتلك نحن القرار.
أن نقول: هذه اللغة نحتاجها للعلم، وهذه للتواصل، وهذه للبحث، وهذه جزء من تراثنا، وهذه نستخدمها حيث تفيدنا.
لا توجد لغة فوق الإنسان، ولا لغة تمنح صاحبها قيمة أخلاقية أو حضارية بمجرد أنه يتحدث بها.
الإنسان هو الذي يمنح اللغة قيمتها بما ينتجه بها.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين العربية والإنجليزية، ولا بين الفرنسية والإنجليزية، وإنما بين عقل يريد أن يتقدم وعقل يريد أن يظل تابعًا.
العالم اليوم لا ينتظر المترددين.
من يريد أن يكون حاضرًا في الاقتصاد العالمي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والجامعات، والإعلام الجديد، عليه أن يمتلك أدوات العالم.
واللغة واحدة من أهم هذه الأدوات.
لكن امتلاك أدوات العالم لا يعني أن نبيع مفاتيح بيوتنا.
نحن نحتاج إلى شباب يعرف الإنجليزية والفرنسية وغيرها، ويجيد استخدام التكنولوجيا، ويتعامل مع الذكاء الاصطناعي، ويقرأ أحدث الأبحاث، وفي الوقت نفسه يعرف من هو، ومن أين جاء، ولأي وطن ينتمي.
نريد أجيالًا تفتح العالم ولا تسمح للعالم بأن يفتحها من الداخل.
نريد شبابًا يأخذ من الأمم علمها، ومن تجاربها خبرتها، ومن تقدمها أدواته، ثم يعود بكل ذلك ليبني وطنه.
فاللغة ليست سيدًا، وإنما وسيلة.
والعلم ليس هوية، وإنما قوة.
والانفتاح ليس ذوبانًا.
والاعتزاز بالوطن ليس انغلاقًا.
أما التقدم الحقيقي، فهو أن تمتلك مفاتيح العالم كلها، ثم تعرف أي باب تريد أن تفتح.
وفي النهاية، لن تكون قيمة الإنسان في عدد اللغات التي يتحدث بها، وإنما في قيمة الفكرة التي يحملها، والعمل الذي يقدمه، والوطن الذي يخدمه.
تعلموا الإنجليزية، وافتحوا أبواب العالم، لكن لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأنكم لن تكونوا عظماء إلا إذا تحدثتم بلسانه.
فالأمم العظيمة لا تستعير هويتها من أحد.


