بقلم: أ.د. حسام عبدالغفار
في صيدليةٍ مستشفى ، وقفت أمٌّ تُقلّب العلبة بين يديها. اللونُ غيرُ اللون، والاسمُ غيرُ الاسم، والخطُّ الذي أَلِفَته عينُها لم يعد في موضعه. ثم سألت الصيدليَّ سؤالًا واحدًا، لكنه كان يحمل قلق العالم كله: «هو ده نفس الدواء؟»
ليس في السؤال جهل، ولا فيه تشكيك. فيه أمومة. فيه سنواتٌ من جرعةٍ تُحسب بالوحدة، وليالٍ تُقطع على قياس سكرٍ هابط، وثقةٌ بُنيت ببطءٍ شديد بين طفلٍ وإبرة. مَن عاش مع مرضٍ مزمن يعرف أن العلبة ليست غلافًا؛ إنها جزءٌ من طقس النجاة اليومي. ولهذا فإن أول ما ينبغي فعله حين يتغيّر شكل الدواء ليس أن نُسفّه الخوف، بل أن نفهمه. الخوف من الجديد ليس عيبًا في المريض، بل خاصيةٌ في الإنسان؛ نميل إلى المألوف كلما اشتدّ علينا الاحتمال.
ثم يأتي دور العلم، لا ليُسكت السؤال، بل ليُجيب عنه.
الأنسولين ليس قرصًا كيميائيًا بسيطًا يُختزل في معادلة، بل مستحضرٌ حيويٌّ يُنتَج داخل خلايا حيّة، فتُعدّ عمليةُ تصنيعه جزءًا من هويته. ولهذا لا يُقال في مثله «شبيه» على عواهنه، بل يُسلك مسارٌ تنظيميٌّ صارم اسمه المِثْل الحيوي (Biosimilar): مقارنةٌ في البنية الجزيئية والنقاء والفاعلية المخبرية، ودراساتٌ في الحرائك والديناميكا الدوائية، وتقييمٌ دقيق للاستجابة المناعية، ثم دراساتٌ سريرية تُثبت تكافؤ الأثر والأمان. المِثْل الحيوي المعتمد ليس نسخةً مُقلَّدة؛ إنه دواءٌ اجتاز اختبارًا أشدَّ صرامةً مما يخضع له كثيرٌ من الأدوية التقليدية.
والرقابة لا تتوقف عند التسجيل. التصنيع المحلي لا يعني رقابةً أقل، بل رقابةً أقرب: تفتيشٌ على خطوط الإنتاج وفق ممارسات التصنيع الجيد، وفحصٌ للتشغيلات قبل الإفراج، وضبطٌ لسلسلة التبريد من المصنع إلى المِبرَد المنزلي، ويقظةٌ دوائية تتابع الدواء بعد وصوله إلى الناس. الرقابة لا تنتهي عند باب المصنع؛ إنها تبدأ منه.
ومن هنا تُوضع القاعدة التي ينبغي أن يُقاس عليها كل حديثٍ في هذا الملف:
نحن لا نطلب من المواطن أن يشتري الدواء لأنه مصري، ولا أن يرفض الدواء لأنه مستورد. نحن نطلب منه أن يثق في الدواء بناءً على الدليل العلمي والرقابة التنظيمية، وأن يعرف أن وجود مثيل محليٍّ معتمدٍ وفعّال يعني أن أمامه خيارًا علاجيًا إضافيًا، وليس خيارًا أقل.
فالمعيار ليس جواز سفر الدواء، بل ملفُّه. والانتماء لا يُثبَت في الإعلان، بل في المختبر.
الدولة لا تُبدّل للمريض دواءه، الدولة تُوفّره له.
الصناعة الوطنية ليست مصادرةً للخيار، بل توسيعٌ لدائرته. ومن عاصر اضطراب سلاسل الإمداد العالمية في السنوات الأخيرة يعرف أن الدواء الذي لا يصل هو دواءٌ غير موجود مهما بلغت جودته، وأن الأمن الدوائي فرعٌ أصيل من الأمن القومي. أن نصنع أنسولينَنا يعني أن نملك قرارنا في لحظة الأزمة، وأن نُخرج آلاف المرضى من رهان الشحنة القادمة.
غير أن السيادة الدوائية لا تُبنى على حساب فردٍ واحد. المريض ليس رقمًا في معادلة الاكتفاء الذاتي، بل هو غايتها:
لا نطلب من طفلٍ أن يُغيّر أنسولينه ليوافق قدراتنا الصناعية. نُطوّر قدراتنا لتوافق احتياجه.
وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. فالصناعة التي تُبنى لتخدم المريض تصعد إلى مستواه، ولا تطلب منه أن ينزل إلى مستواها.
ثم يبقى الجزء الأصعب: الثقة.
في علم السمع نعرف حقيقةً بسيطة وعميقة: لا يكفي أن يكون الصوت عاليًا لكي يُفهم. ما يحكم الفهم هو نسبة الإشارة إلى الضوضاء. قد ترفع صوتك حتى تُجهد حنجرتك، فلا يصل المعنى، لأن الضجيج حول المستمع أعلى من رسالتك. والثقة العامة تخضع للقانون نفسه: لا يكفي أن تكون المعلومة صحيحة، بل أن تكون أوضح من الضجيج المحيط بها، وأن تصل عبر القناة التي يثق بها المريض أصلًا: صوت طبيبه، وكلمة صيدليّه، وبيانٍ يُقال في وقته لا بعد فوات أوانه.
ولهذا فإن أعدل ما يُقدَّم للناس هو الشفافية الكاملة: أن تُنشر بيانات التسجيل والتقييم، وأن يُفتح باب الإبلاغ عن الأعراض الجانبية بلا تهوينٍ ولا تهويل، وأن تُعامَل شكوى المريض الفردية بوصفها معلومةً تُدرس لا تهمةً تُردّ. اليقظة الدوائية ليست اعترافًا بالضعف؛ إنها أرقى صور القوة التنظيمية. والنظام الذي يُنصت للشكوى أقوى من النظام الذي لا يسمع إلا التصفيق.
ولْنعد إلى تلك الأم في الصيدلية. نحن لا نريد أن نُقنعها بخطاب، ولا أن نُطالبها بحماسٍ لا يملكه قلبٌ قلق. نريد أن نمنحها ما يستحقه ابنها: دواءً مُثبتًا، ورقابةً ساهرة، وطبيبًا يشرح، ومنظومةً لا تتركها وحدها أمام سؤالٍ مشروع.
الوطنية في الدواء ليست شعارًا يُطبَع على العلبة، بل دليلًا يُكتب في الملف، ورقابةً تسهر حين ينام الجميع. أما الثقة، فهي آخر ما يُصنَع… وأول ما يُفقَد.


