بقلم جودة عبد الصادق إبراهيم
على مدار تاريخها، ظلت جماعة الإخوان المسلمين واحدة من أكثر التنظيمات إثارةً للجدل في مصر، ليس فقط بسبب نشاطها السياسي، وإنما أيضًا بسبب ارتباط اسمها بمحطات دامية من العنف والاغتيالات والصدام مع مؤسسات الدولة، وهي وقائع وثقتها أحكام قضائية وسجلات تاريخية وتقارير صحفية على امتداد عقود.
فمنذ إنشاء ما عُرف بـ”النظام الخاص” داخل الجماعة في أربعينيات القرن الماضي، شهدت مصر سلسلة من العمليات التي استهدفت شخصيات عامة ومؤسسات الدولة، وكان من أبرزها اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا عام 1948، إلى جانب أعمال عنف أخرى ارتبطت بتلك المرحلة، وهو ما رسّخ صورة التنظيم السري المسلح في الوعي المصري.
ولم تتوقف المواجهات عند تلك الحقبة، بل تكررت عبر العقود في صور مختلفة، وصولًا إلى مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو 2013، حيث شهدت البلاد موجة من العمليات الإرهابية واستهداف رجال الجيش والشرطة والقضاء، ووقائع اغتيال وتفجيرات طالت مؤسسات الدولة، وقد نسبت السلطات المصرية كثيرًا من هذه الأعمال إلى عناصر أو تنظيمات مرتبطة بالإخوان أو متحالفة معها، وصدر بشأن عدد منها أحكام قضائية.
إن أخطر ما يميز الفكر المتطرف ليس الرصاصة وحدها، بل الفكرة التي تبرر استخدام السلاح ضد الوطن. فعندما تتحول السياسة إلى وسيلة للوصول إلى السلطة بأي ثمن، وتصبح مؤسسات الدولة هدفًا للهدم بدلًا من الإصلاح، فإن المجتمع كله يدفع الثمن.
لقد عاشت مصر سنوات صعبة دفعت خلالها أرواحًا بريئة من المدنيين والعسكريين ورجال القضاء والشرطة ثمنًا للإرهاب والتطرف، ولم تكن تلك المرحلة مجرد خلاف سياسي، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية كيانها والحفاظ على استقرارها.
ورغم اختلاف الآراء السياسية بين المواطنين، فإن هناك حقيقة لا يختلف عليها كثيرون، وهي أن العنف لا يمكن أن يكون وسيلة للتغيير، وأن الديمقراطية لا تُبنى بالاغتيالات أو التخريب أو ترويع الآمنين، وإنما بالحوار واحترام القانون ومؤسسات الدولة.
لقد أثبتت التجربة المصرية أن بناء الأوطان لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالعمل والإنتاج، وأن حماية الدولة مسؤولية مشتركة بين جميع أبنائها، بعيدًا عن التطرف والكراهية والانقسام.
ويبقى الدرس الأهم من التاريخ أن مصر كانت وستظل أقوى من كل تنظيم يسعى إلى تقويض استقرارها، وأن وحدة الشعب المصري كانت دائمًا السد المنيع في مواجهة الإرهاب والعنف، وأن المستقبل لا يصنعه أصحاب الفوضى، بل يبنيه المخلصون لوطنهم، الذين يؤمنون بأن أمن مصر واستقرارها فوق أي اعتبار.
