كتب أ. د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة
في المقالات السابقة تناولنا عددًا من التحديات التي تواجه شباب الباحثين في الجامعات المصرية، وأشرنا إلى بعض الأسباب التي تقف وراء ضعف الارتباط بين ما تنتجه منظومة البحث العلمي من دراسات وأبحاث وابتكارات، وبين الاحتياجات الفعلية للمجتمع ومتطلبات التنمية وسوق العمل. كما استعرضنا مجموعة من المقترحات والآليات التي يمكن من خلالها تعزيز قدرات الباحثين الشباب، وتحسين بيئة البحث العلمي المصري بحيث تؤدي إلى زيادة قدرة الجامعات والمراكز البحثية على تحويل المعرفة إلى قيمة مضافة للاقتصاد.
وفي هذا المقال، نواصل الحديث عن نفس الموضوع ولكن من زاوية مختلفة، وهي كيفية الاستفادة من أهم الثروات العلمية والبشرية التي تمتلكها مصر، وهي علماؤها وخبراؤها وأكاديميوها المهاجرون في الخارج، من خلال الدور الذي يمكن ان يلعبوه في دعم منظومة البحث العلمي المصرية وتطوير قدرات شباب الباحثين.
علماء مصر في الخارج يمثلون بالفعل ثروة وطنية حقيقية بما يمتلكونه من مواقع أكاديمية وبحثية متميزة في أرقى الجامعات والمراكز البحثية الدولية، وما راكموه من خبرات علمية وعملية لسنوات طويلة، وما اكتسبوه من معرفة بمنهجيات البحث الحديثة، والقدرة على إدارة المشروعات البحثية وطرق الحصول على تمويلها وبناء الشراكات البحثية مع باحثين من مؤسسات علمية وجامعات ومراكز بحثية من بين الأفضل على مستوى العالم. كما أن عددًا كبيرًا منهم أتيحت له فرصة الاحتكاك المباشر بمدارس علمية عالمية وبعلماء بارزين في مختلف التخصصات، منهم الحاصلون على جوائز نوبل، ومنهم أصحاب المؤلفات والمراجع العلمية التي تعد أهم المصادر العلمية للباحثين في مختلف أنحاء العالم.
وتشير بعض الإحصاءات المتداولة إلى وجود أعداد كبيرة من العلماء والأكاديميين والخبراء المصريين في الخارج، حيث يُقدَّر عدد العلماء والأكاديميين المصريين في الخارج بعشرات الآلاف المنتشرين حول دول العالم مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والمملكة المتحدة وغيرهم من دول العالم، بينما يقدر عدد الخبراء المصريين في مختلف المجالات التطبيقية في نفس الدول إلى مئات الآلاف. وبغض النظر عن الرقم الفعلي لعددهم والذي يختلف من مصدر لآخر، لكن الأهم هو حقيقة وجود رصيد ضخم من رأس المال البشري المصري الموجود خارج الوطن، والذي ينبغي الاستفادة منه لتعزيز منظومة البحث العلمي والمعرفة المصرية. ومن هنا فإن السؤال الهام الذي يجب أن نجيب عليه هو كيف نستطيع أن نستفيد من هذه الثروة البشرية وهم في مواقعهم الحالية حول العالم؟
في ظل التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصالات، لم يعد أمر الاستفادة من العلماء بالخارج يتطلب انتقال الباحث من مصر إلى دولة أخرى أو الإقامة لفترات طويلة في الخارج، ولا يتطلب أيضًا انتقال علماء الخارج لمصر. فقد أصبح من الممكن أن يعمل باحث في القاهرة بصورة يومية مع أستاذ أو عالم موجود في الخارج، دون أن يجتمعا بالضرورة في مكان واحد. وهذا التطور التكنولوجي يفتح أمامنا فرصًا واسعة لتعظيم الاستفادة من علماء مصر في الخارج من خلال مجموعة من الآليات العملية نستعرض بعضها في هذا المقال وبقيتها في مقالات لاحقة.
الآلية الأولى للاستفادة من علماء مصر في الخارج هي تفعيل الإشراف عن بعد على رسائل الماجستير والدكتوراه، وهي أكثر الآليات التي يمكن تطبيقها بصورة فعالة. إن شباب الباحثين هم مستقبل البحث العلمي لمصر، وعندما نتيح لهم فرص أكبر للتواصل مع مدارس علمية متنوعة وعلماء متميزين، وخصوصًا إذا كان هؤلاء العلماء مصريين يدينون بالفضل لوطنهم، كلما ارتفعت جودة الأبحاث التي ينتجونها، واكتسبوا معارف علمية من الصعب الحصول عليها بالظروف الحالية.
ورغم أن بعض الكليات القليلة في الجامعات المصرية تسمح بإمكانية الإشراف المشترك مع أساتذة من جامعات أجنبية، فإن التطبيق لا يزال مشروطًا بسفر الباحث إلى الخارج وقضائه فترة زمنية محددة في الجامعة أو المؤسسة البحثية الأجنبية. وهذا الأمر كان مفهومًا في الماضي عندما لم يكن هناك وسائل تواصل على غرار ما يشهده عالم اليوم، وكان التواصل العلمي يتطلب اللقاء المباشر. أما عالم اليوم فيشهد تغير جذري في إمكانيات التواصل الفعال، فأصبح بالإمكان عقد الاجتماعات العلمية بصورة دورية عبر الإنترنت من خلال تطبيقات مثل زووم وتايم وغيرهما، وإمكانية مناقشة خطة البحث، ومراجعة النتائج، وتحليل البيانات، وعقد حلقات نقاش علمية، بل وإجراء المناقشات الأكاديمية عن بعد وفق الأطر والقواعد التي تضعها الجامعات. وبالتالي فإمكانية الإشراف عن بعد دون الحاجة إلى السفر وما يتطلبه من تكاليف مادية مرتفعة يمكن تحقيقه بفاعلية كبيرة. ومن هنا أدعو الجامعات المصرية إلى توسيع نطاق الإشراف المشترك ليشمل الإشراف عن بُعد، بغرض الاستفادة من العلماء المصريين في الخارج في الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه، دون أن يكون سفر الباحث شرطًا أساسيًا في جميع الحالات. ويتضمن ذلك إمكانية إشراف الأساتذة المصريين المعارين بالخارج على الرسائل للطلاب المصريين، وعدم مطالبة أعضاء هيئة التدريس في جامعاتنا بالتخلي عن الإشراف على الرسائل التي يشرفون عليها في حال إعارتهم.
إن هذه الآلية يمكن أن تحقق فوائد متعددة في ملف تعزيز إمكانيات شباب الباحثين، فهي تتيح للباحث المصري التواصل مع مدرسة علمية مختلفة، وتعرّفه بأحدث الاتجاهات في تخصصه، وتساعده على تطوير منهجية البحث، كما يمكن أن تفتح أمامه أبوابًا للتعاون مع مجموعات بحثية ومؤسسات علمية دولية. وأعتقد أن كثيرًا من العلماء المصريين في الخارج لديهم استعداد حقيقي للمساهمة في تدريب شباب الباحثين المصريين والإشراف على رسائلهم، انطلاقًا من شعورهم بالانتماء والرغبة في رد الجميل للوطن، وقد يكون بعضهم مستعدًا للقيام بهذا الدور بصورة تطوعية أو بأعباء مالية محدودة للغاية.


