كتب أ.د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة
في المقال السابق، بدأنا سلسلة جديدة من المقالات التي تناولنا فيها كيفية الاستفادة من علماء مصر وخبرائها وأكاديمييها المهاجرين، بما يمكن أن يدعم منظومة البحث العلمي المصرية، ودعم قدرات شباب الباحثين، وتعزيز ملف التعاون الدولي للجامعات المصرية. وتناولنا فيه الآلية الأولى، وهي الأهم، للاستفادة منهم، والتي تتمثل في الاستعانة بهم في الإشراف على الرسائل العلمية للباحثين المصريين في الجامعات المصرية، مع تطوير اللوائح والقوانين الجامعية بما يسمح بهذا الإجراء المهم، وتعظيم الاستفادة من التطورات التكنولوجية الهائلة في وسائل الاتصال والتواصل لدعم الباحثين المصريين من خلال هذه الآلية.
تتمثل الآلية الثانية المقترحة، للاستفادة من العلماء والخبراء المصريين في الخارج، في التعاون معهم في تنفيذ مشروعات بحثية دولية مشتركة. فطيور مصر المهاجرة في جامعات أو مراكز بحثية دولية يمتلكون شبكات واسعة من العلاقات العلمية بحكم عملهم في مؤسسات دولية، وغالبا يكونون أعضاءً في مجموعات بحثية دولية ممولة من مؤسسات وجهات دولية مثل الاتحاد الأوروبي وايراسموس وغيرهما، وهو ما يمكن أن يمثل مدخلًا مهمًا للجامعات المصرية للوصول إلى فرص بحثية وتمويلية جديدة.
الاستفادة من هذه الكفاءات المصرية بالخارج في هذا الملف يمكن أن يسهم في تيسير كثير من المعوقات المرتبطة بالحصول على التمويل البحثي الدولي للجامعات المصرية، مع الالتزام الكامل بالقواعد والضوابط التي تضمن عدم تعارض هذه المشروعات مع مقتضيات الأمن القومي المصري، وذلك لعلمهم التام بهذه المقتضيات. وفي هذه الحالة لن يقتصر دور العالم المصري في الخارج على المشاركة العلمية في فريق بحثي، وإنما سيكون هو حلقة الوصل الفاعلة بين الباحثين والمؤسسات المصرية والشركاء الدوليين، وسوف يسهل التقدم للحصول على المنح الدولية، والمشاركة في تنفيذ المشروعات، مستفيدًا في الوقت ذاته من معرفته بالأولويات البحثية الوطنية والضوابط الحاكمة للتعاون الدولي.
هذه الآلية تحقق عددًا من الفوائد المهمة للبحث العلمي المصري مثل زيادة فرص حصول الباحثين المصريين على تمويل دولي، تعزيز التعاون الدولي للجامعات المصرية، وزيادة إنتاج البحوث المشتركة مع باحثين من جامعات ومؤسسات علمية عالمية، بما ينعكس إيجابًا على الحضور الدولي للجامعات المصرية وترتيبها في التصنيفات الدولية. أيضًا تمنح المشروعات الدولية المشتركة شباب الباحثين المصريين فرصة للعمل في بيئات بحثية متعددة الثقافات، والتعرف على معايير الجودة العالمية، واكتساب مهارات العمل ضمن فرق دولية؛ وهي مهارات لا تقل أهمية عن المهارات العلمية والتخصصية ذاتها.
أما الآلية الثالثة فتكمن في الاستفادة من خبرات العلماء المصريين في الخارج في مجال نقل التكنولوجيا والمعرفة الحديثة، وهو أحد المجالات التي يمكن أن يسهموا فيها بصورة فاعلة. إن العالم يتغير بسرعة شديدة وتتطور التقنيات والتطبيقات الجديدة في مجالات متعددة في صورة طفرات متسارعة، مثل الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، وغيرهما من المجالات. وقد يكون من الصعب على المؤسسات العلمية المصرية متابعة جميع هذه التطورات دون الاعتماد على خبرات في الجامعات الأجنبية، وهنا يأتي الدور المهم للعلماء المصريين المواكبين لهذه التطورات العلمية والتكنولوجية، والمشاركين فيها في أحيان كثيرة.
ولتحقيق ذلك يمكن إنشاء برامج تعاون بين هؤلاء العلماء والجامعات المصرية، من خلال تنظيم مؤتمرات وورش عمل ودورات تدريبية وحلقات نقاش علمية، تجرى عن بعد أو بحضور العلماء المصريين، ويتم خلالها استعراض أحدث التطورات في مختلف التخصصات، وكيفية الاستفادة منها وإمكانية تطبيقها في البيئة المصرية.
أما الآلية الرابعة فتتمثل في الاستفادة من العلماء المصريين في الخارج في بناء مدارس بحثية جديدة داخل مصر، وهو من أهم الأدوار التي يمكن أن يقوموا بها، لما لذلك من أثر طويل المدى في تطوير منظومة البحث العلمي وإعداد أجيال جديدة من الباحثين المتخصصين. فمعظم هؤلاء العلماء هم من أصحاب المدارس العلمية ويكون ذلك هو السبب الأهم لاحتفاظ الجامعات الأجنبية والاستعانة بهم. والمدرسة البحثية لا تُبنى من خلال بحث علمي أو مشروع واحد قاموا به، وإنما من خلال تراكم مستمر للبحوث المنشورة والمشروعات والأفكار والعلاقات العلمية على مدى سنوات. ومن هنا، فإن وجود عالم مصري صاحب مدرسة علمية في جامعة أو مركز بحثي عالمي يمكن أن يمثل نواة لبناء مدرسة بحثية متميزة في مصر، من خلال التعاون المستمر معه وتوليه لمجموعة من الباحثين وطلاب الدراسات العليا في مصر، والمشاركة في الإشراف على رسائلهم العلمية، وإدماجهم في مشروعات بحثية دولية، وتعريفهم بأحدث الأدبيات والمناهج والأدوات البحثية في تخصصاتهم.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال تنظيم ورش عمل عن بُعد، إلى جانب عقد حلقات نقاش علمية بصورة دورية، بما يتيح استمرار التواصل العلمي وتبادل الخبرات. وهنا تتحول الاستفادة من العالم المصري في الخارج من مجرد محاضرة أو زيارة عابرة إلى استراتيجية تهدف إلى بناء جيل جديد من الباحثين، وتكوين مدارس بحثية معاصرة.
في المقال القادم، نستكمل عرض بعض الآليات الأخرى للاستفادة من العلماء المصريين في الخارج، أو «العقول المهاجرة»، بما يسهم في دعم البحث العلمي المصري، وتمكين الباحثين الشباب، وتعزيز مكانة الجامعات المصرية على خريطة البحث العلمي العالمية.


