بقلم: جودة عبد الصادق
في زمنٍ أصبح فيه الكلام كثيرًا، والوجوه متعددة، والمظاهر تخدع أحيانًا أكثر مما تكشف الحقيقة، لم يعد من السهل أن تعرف معدن الإنسان من كلماته، ولا قيمته من منصبه، ولا أصله من ثيابه ومظهره.
فكم من إنسانٍ جلس على كرسيٍ كبير، فظن أن الكرسي منحه قيمة، وكم من شخصٍ أحاط نفسه بالأضواء، فتوهم أن الشهرة صنعت منه إنسانًا عظيمًا، بينما الحقيقة أن المناصب لا تصنع الرجال.. وإنما الرجال هم الذين يصنعون قيمة المناصب.
هناك أناس لا يحتاجون إلى أن يقولوا للناس من هم، لأن أفعالهم تتحدث عنهم، وهناك آخرون يقضون أعمارهم في الحديث عن أنفسهم، حتى إذا جاءت لحظة الاختبار سقطت كل الأقنعة.
الحياة لا تختبر الإنسان عندما يكون كل شيء على ما يرام، وإنما تكشفه عندما تتغير المصالح، ويختفي التصفيق، ويصبح الصدق مكلفًا.
هنا تعرف من وقف بجوارك لأنك عزيز عليه، ومن كان بجوارك لأن له مصلحة، ومن أحبك لشخصك، ومن أحب ما تملكه من نفوذ أو مال أو مكانة.
لا تغتر بمن يصفق لك اليوم.. فبعض التصفيق مصلحة، وبعض المدح خوف، وبعض القرب انتظار للحظة التي تنتهي فيها حاجته إليك.
والأصعب من ذلك أن بعض الناس لا يكتفون بأن يتغيروا مع تغير الظروف، بل ينسون تمامًا كل ما قدمته لهم، وكأن المعروف الذي صنعته معهم لم يكن يومًا.
لكن لا تحزن..
فالإنسان الأصيل لا يخسر عندما يكتشف حقيقة الآخرين، بل يربح نفسه عندما يتوقف عن منح ثقته لمن لا يستحقها.
تعلم أن تحترم الجميع، لكن لا تمنح ثقتك للجميع.
تعلم أن تسامح، لكن لا تسمح لأحد أن يحول طيبة قلبك إلى نقطة ضعف.
تعلم أن تبتعد بهدوء عندما تشعر أن وجودك أصبح مجرد مصلحة، وأن كلامك لا يُسمع إلا عندما يكون مطلوبًا، وأن غيابك لا يُكتشف إلا عندما يحتاجون إليك.
ولا تنشغل كثيرًا بمن تكلم عنك في غيابك.. فالذين يتحدثون خلف ظهرك أكدوا لك شيئًا واحدًا: أنك أصبحت أمامهم أكبر من أن يواجهوك.
وفي النهاية، سيبقى الأصل أصلًا، وسيظل صاحب المبدأ ثابتًا مهما تغيرت الأيام، وستسقط الأقنعة مهما طال الوقت.
فلا تجعل كثرة المنافقين حولك تفقدك ثقتك في الناس، ولا تجعل خيانة البعض تجعلك تخسر أخلاقك.
كن أنت كما أنت..
نظيف القلب، واضح الموقف، عزيز النفس، لا تبيع مبادئك من أجل كرسي، ولا كرامتك من أجل مصلحة، ولا عشرة العمر من أجل مكسب عابر.
لأن المناصب تنتهي، والأموال تتغير، والأضواء تخفت، والوجوه تتبدل..
لكن السيرة الطيبة هي الشيء الوحيد الذي يبقى للإنسان بعد أن يغادر كل شيء.
والخلاصة: لا تسأل عن قيمة الإنسان من مكانه.. اسأل عن قيمته عندما يسقط عنه المكان.
هناك فقط..
ستعرف الرجال من أصحاب الأقنعة.


