كتبت سلمى أرباب
الوصفة السحرية للحب الصادق، وصرخة إنصاف لرجالٍ يقتطعون من أرواحهم كي لا يميل الميزان
تتقلّبُ العواصف، وتتبدّلُ غيومُ السماء، يُطلُّ المطرُ غاضبًا تارةً، وتزمجرُ الرياحُ تارةً أخرى، لكنّ حقيقةً واحدةً تظلّ ثابتةً لا تتزعزع في هذا الكون: لا بد للشمس أن تشرق.
هكذا هو الحب حين يكون صادقًا؛ لا يستسلم لتقلبات الفصول، ولا تسمح جدرانه الصلبة للخلافات العابرة أن تطفئ إشراقه. إنه عهدٌ بين قلبين تعاهدا أن لا تفصل الحياة تشابك أيديهما، حتى وإن سارا معًا في عكس التيار، قاصدين وجهةً لا يعرفُ طريقها إلا العاشقون.. أولئك الذين يعشقون بجد، بعيدًا عن زيف هذا الزمن.
شتان بين عشقٍ يضرب جذوره في عمق الأرض، وبين حبٍ أفرغته المعاصرة من محتواه ليتحول إلى مجرد لقطةٍ عابرة أو “ترند” للجمهور! حبُّ اليوم بات يُقاس بباقات زهورٍ تُجلب لالتقاط صورةٍ سريعة، وبصناديق شوكولاتة مزخرفة بوردٍ بلاستيكيٍ خالي من الرائحة والحياة. اختُزل العشق في مشاهد استعراضية يجلس فيها الحبيب على ركبةٍ واحدة تحت أضواء ملايين الكاميرات، وفي امرأةٍ تُخفي حقيقتها خلف الأظافر والرموش الصناعية وتملأ جسدها بالفيلر والبوتوكس لتلائم قوالب الجمال الزائفة.
أما الحب الحقيقي الذي ينبض بالحياة، فيحتاج إلى أنثى صافية لرجلٍ صادق؛ أنثى تُحب بعفوية روحها، ورجلٍ يرى في صدقه أصل كل قوة. حبٌّ لا يموت، بل يُولد من جديد مع كل صباح، كشروق الشمس تمامًا، مجددًا وموثقًا تلك العهود الضمنية التي قُطعت بين روحين بأن يكونا معًا ضد الظروف، وفي مواجهة الأزمات يدًا بيد.
لقد تعلم هؤلاء العشاق كيف يركبون أمواج الحياة سويًا؛ إن علت الأمواج ارتفعوا فوقها بوعيهم وثباتهم ولم يدعوا الموج يبتلعهم، وإن هدأ البحر وقفوا بثقة، مكملين طريقهم نحو شاطئٍ من السلام والأمان لا يعرف خريطه سواهُم.
هكذا يجب أن يكون العشاق، وهذه هي الوصفة السحرية للحب الصادق: أن تُحسن اختيار الرفيق الذي يُتقن الصمود، فالطريق محفوفٌ بالمصاعب، والرفيق الصالح الصادق هو الوحيد الكفيل بأن يجعل عناء الرحلة هينًا، ومرّها حلوًا.
وهذا النوع تحديدًا من العشق الفاخر، الذي لا يقتات على المظاهر ولا ينهار أمام العواصف، هو ذاته الذي يتجلى بأبهى صورة في قالبٍ طالما أغفله الكثيرون، ووصمه هذا الزمن بالكثير من السطحية والعيوب؛ قالب الزواج الثاني.
لقد أطبقت الشائعات حصر هذا الرباط في حكايات ضيقة، مدّعيةً أنه إما رجلٌ يفتش عن نواقص في بيته الأول، أو امرأةٌ سعت إلى هدم بنيانٍ قائم! وفي هذا ظلمٌ شديد لإطارٍ شرعيٍّ متين وسّع الله به على عباده؛ إطارٍ يصون القلوب ويحمي الأرواح من الوقوع في المحرمات.
فكيف إذا التقى هذا الرباط الشرعي بذاك العشق الاستثنائي؟ كيف لرجلٍ ذاق طعم هذا الحب الصادق، ورأى في تلك الأنثى الصافية سكناه ووجهته، أن يرتضي لحبه مسارًا آخر غير أن يُتوّجه برباطٍ مقدس يُرضي الله ويحفظ الكرامة؟
إن العشق الحقيقي لا يرضى بالخفاء، ولا يقبل بالتردد، بل يختار الشمس، ويضع الصدق عنوانًا لمساره. إن رفض المجتمع لأمرٍ شرّعه الله لهو أثرٌ من آثار هذا الزمن الذي عظّم الشكليات؛ بينما الحقيقة الناصعة تقول إن الرجل الذي يعشق بصدق، ويختار الحلال ليصون قلبه وقلب من أحب، إنما يمارس أعلى درجات الشجاعة والوفاء.
ونظرًا لما يحكم به المجتمع على هذا القالب الشرعي، اضطر بعض هؤلاء الأزواج للعيش تحت شروق الشمس فقط، تاركين دفء الليل لبيوتهم الأولى! وبرغم ما في هذا النموذج من قسوةٍ وظلمٍ جائر، إلا أن مستوى التفاهم العميق والحالة العشقية النادرة بينهما سمحت لهما بالتكيف مع وضعٍ كهذا. لقد ارتضيا بقليلٍ من الوقت، لأن فيه كل الكفاية، ولأن لحظةً واحدةً مع روحٍ تصدقك العشق، تعادل عمرًا كاملاً من الدفء.
وأردتُ في مقالي هذا، على عكس العادة، ألا أقف في صف المطالبة بحقوق الزوجة الثانية، بل أردتُ أن ألقي الضوء على تلك المساحة المظلمة من معاناة الزوج؛ ذاك الرجل الذي يعيش في قلب صراعاتٍ مكتومة لا يراها أحد، ولا يشعر بثقلها إنسانٌ على وجه الأرض غير تلك العشيقة.. الزوجة.. السكن.
تلك المرأة التي ارتضت بنصف وقته ونصف حياته، لتكون هي المساحة الوحيدة التي يخلع فيها دروعه، ويستريح فيها من حربٍ لا تتوقف. بينما هو، يظل يركض بين عالمين؛ يجلد نفسه بأسئلة الواجب والعدل، ويتحمل نظرات اللوم وحكام الباطل، ويخفي تمزقه الداخلي كي لا يميل ميزان استقراره. هو ليس جانيًا ولا هاربًا من المسؤولية، بل رجلٌ دفعته الحياة للبحث عن روحه، فوجدها، ولكنه يسدد فاتورة هذا العثور صمتًا وتعبًا يُخفيه خلف ابتسامةٍ حنونة كلما أشرقت شمسه في بيتها.
بينما هو، على الضفة الأخرى، مطالبٌ بأن يظل على الصورة التي اعتادها بيته وأولاده؛ مطالبٌ بأن يبتسم دائمًا، وأن يمارس حياةً طبيعيةً خاليةً من الخدوش، في واقعٍ قد يصل إلى حد انتهاك إنسانيته لكثرة ما يعانيه من تجاهلٍ لمشاعره، وحرمانٍ من حريته في التعبير عن حالته النفسية الحقيقية في اللحظة التي يعيشها.
وبرغم هذا الألم الدفين، يواصل المسير في اتجاهين في وقتٍ واحد: اتجاهٍ يسير فيه بخفةٍ ورقة، واتجاهٍ آخر يسير فيه بروح القوامة والعدل. إنه رجلٌ صمّم على ألا يخذل أيًا من الطريقين الممتدين تحت قدميه، فيمزّق روحه ومشاعره إرضاءً للجميع، دافعًا ضريبة صدقه من راحته ونبضات قلبه.
والآن، وقد اتضحت الصورة، فقد قمنا بواجبنا من هنا، من تحت ضوء الشمس، بتسليط شعاعها على ذاك العاشق المحارب المسكين. قد لا نستطيع اليوم تغيير المجتمع، ولا نستطيع تغيير النظرة السائدة للزواج الثاني، ولكننا نطلب الرحمة لقلوبٍ تعتصر ألمًا، ولرجالٍ صدقوا وعودهم وصانوا عهودهم، وارتضوا السير تحت الشمس وتحت القمر بكل قوة، فلم تسقط من أيديهم أي كفةٍ من الميزان؛ رجالًا اتبعوا طريق الحق والعدل، فكانوا منصفين لوصايا رسول الله في الأرض.
