كتب أ.دكنور . حسام عبد الغفار
في عياداتِ السمع نتعلّمُ درسًا مُبكِّرًا: أنّ فقدانَ السمعِ نادرًا ما يبدأ بصمتٍ كامل. إنه يبدأ خفيفًا ماكرًا، بترددٍ عالٍ يتسرّب من الأذن دون أن يشعر صاحبُه، فيظلُّ يسمعُ الأصواتَ ولا يلتقطُ الكلمات. يجلسُ المريضُ أمامي فيقول جملةً واحدةً تختصرُ حالته: «أنا أسمعُك… لكني لا أفهمُك».
وأحسبُ أنّ هذه الجملةَ بعينها هي التشخيصُ الأدقُّ لما يجري اليوم بين الطبيبِ والمجتمع في مصر. فنحن لسنا أمام أزمةِ صوت — الأصواتُ عاليةٌ من الجانبين، والشكاوى مسموعةٌ، والمنصّاتُ مفتوحة — بل أمام أزمةِ سَمْع. كلٌّ يتكلّم، وقليلٌ من يُنصِت. وحين يَعطَبُ الإنصاتُ في علاقةٍ قوامُها الائتمان، يتحوّل الألمُ إلى اتّهام، ويتحوّل التعبُ إلى دفاع، ويولدُ ما نسمّيه اليوم: الاحتقان.
العقدُ الذي لم يُكتَب
بين الطبيبِ ومجتمعِه عقدٌ قديمٌ لم يوقَّع على ورق. مضمونُه أنّ إنسانًا سيسلّمُ جسدَه — وهو أخصُّ ما يملك — لإنسانٍ آخر لا تربطه به قرابةٌ ولا مصلحة، اعتمادًا على شيءٍ واحد: الثقة. وفي مقابل ذلك يلتزم الطبيبُ ببذلِ أقصى ما يملك من علمٍ وعناية.
وهنا مربطُ الفرس الذي يغيبُ عن كثيرٍ من الجدل العام: التزامُ الطبيبِ التزامٌ ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة. فالطبُّ علمُ احتمالاتٍ لا علمُ يقين، والجسدُ البشريُّ ليس آلةً تُستبدَل قطعُها فتعود كما كانت. غير أنّ المجتمعَ حين فقد لغتَه المشتركة مع الطبيب، صار يقرأ كلَّ نتيجةٍ غير مُرضية على أنها خطأ، وكلَّ وفاةٍ على أنها إهمال. وفي المقابل، صار بعضُ الأطباء يقرأ كلَّ سؤالٍ على أنه تشكيك، وكلَّ شكوى على أنها تهمة.
مريضٌ لا يشعرُ أنه مرئيّ
لنكن منصفين، ولنبدأ من الطرفِ الأضعف. المريضُ المصريُّ يصلُ إلى باب الطبيب وقد استُنزِف قبل أن يدخل: طابورٌ طويل، وانتظارٌ في ممرٍّ مزدحم، وقلقٌ من التكلفة، وخوفٌ من المجهول، وربما تجربةٌ سابقةٌ سيئة يحملها معه كحقيبةٍ ثقيلة. ثم يدخلُ فيجدُ دقائقَ معدودةً وكلماتٍ سريعةً ومصطلحاتٍ لا يفهمها، فيخرجُ ومعه روشتةٌ في يده وسؤالٌ لم يُطرَح في صدره.
والإنسانُ الذي لا يشعر أنه مرئيٌّ يغضب. هذه قاعدةٌ نفسيةٌ راسخة. والغضبُ حين لا يجدُ قناةً مشروعةً للتعبير — شكوى تُسمَع، أو موظفَ تواصلٍ يشرح، أو نظامَ تظلُّمٍ يُنصِف — يبحثُ عن أقربِ مَخرج: الصوتُ العالي، ثم اليد، ثم المنشورُ على «فيسبوك».
طبيبٌ يعملُ على حافّة الاحتراق
وعلى الضفّةِ الأخرى، طبيبٌ يحملُ عبئًا لم يُصمَّم بشرٌ لحمله وحدَهم. الفجوةُ بين أعداد الأطباء واحتياج السكان حقيقيةٌ وموثّقة، وخلل التوزيع الجغرافي والتخصصي يضاعفُها، فيجدُ طبيبٌ واحدٌ نفسَه أمام عشراتٍ في وردية، مطالَبًا بأن يكون دقيقًا وصبورًا ولطيفًا في آنٍ واحد، بينما يقاسُ أداؤه بالسرعة لا بالجودة.
ثم تأتي الضربةُ الأقسى: أن يُعتدى عليه في موضع عمله. وقد شهدنا في الشهور الأخيرة وقائعَ اعتداءٍ بدنيٍّ داخل منشآتٍ صحية تركت آثارًا جسديةً ونفسيةً بالغة، نعم تصدت الدولةُ لها بالمسار القانوني، وصدرت أحكامٌ رادعة. لكن أثرَ الواقعة لا يقفُ عند الضحية: كلُّ اعتداءٍ يُبَثُّ على الشاشات يزرعُ في آلاف الأطباء الشبابِ فكرةً واحدة — أنّ هذه المهنةَ لم تعُد آمنة. ومن هنا يبدأ خيطُ الهجرة، ومن هنا يبدأ العزوفُ عن التخصصات الحرجة كالطوارئ والتخدير .
والأخطرُ أثرًا هو ما نسمّيه الطبَّ الدفاعي: طبيبٌ يطلبُ فحوصًا لا يحتاجها المريضُ بل يحتاجها ملفُّه القانوني، ويتجنّبُ الحالاتِ الصعبةَ لا لعجزٍ بل لخوف. وهكذا يدفعُ المريضُ ثمنَ الاحتقان مرتين: مرةً في جودة الرعاية، ومرةً في فاتورتها.
الوسيطُ الثالث: الشاشة
دخل على العلاقة طرفٌ ثالثٌ لم يكن موجودًا في العقد القديم: المنصّاتُ الرقمية. وهي بطبيعة تصميمها لا تكافئُ الإنصاف، بل تكافئُ الانفعال. الفيديو الغاضبُ ينتشر، والبيانُ الفنيُّ الرصينُ لا يُقرَأ. وواقعةٌ واحدةٌ في مستشفًى واحدٍ تُقدَّم للجمهور بوصفها حكمًا على مهنةٍ بأكملها، بينما مئاتُ الآلاف من الخِدَمِ الطبية التي تُقدَّم يوميًا بسلامٍ لا تصنعُ خبرًا لأنها ببساطة ليست استثناءً.
فتنشأ لدى المجتمع صورةٌ ذهنيةٌ مشوّهةٌ عن أطبائه، وتنشأ لدى الأطباء صورةٌ ذهنيةٌ موازيةٌ عن مجتمعهم. وكلُّ صورةٍ منهما تغذّي الأخرى في دائرةٍ مغلقة. هذا هو الاحتقان في تعريفه الدقيق: ليس خلافًا على واقعة، بل تراكمُ سوءِ ظنٍّ متبادلٍ صار يسبقُ اللقاء.
الاحتقانُ عَرَضٌ… فأين المرض؟
من الخطأ المنهجيِّ أن نعالجَ العَرَض ونترك السبب. الاحتقانُ عَرَضٌ لخللٍ بنيويٍّ في ثلاثة مواضع:
الأول: عجزُ الموارد البشرية وسوءُ توزيعها. فلا يمكن أن نطالب بجودة تواصلٍ في ظرفٍ يمنحُ الطبيبَ دقائقَ معدودةً للمريض الواحد. التواصلُ يحتاج وقتًا، والوقتُ يحتاج عددًا كافيًا، والعددُ الكافي يحتاج تخطيطًا علميًّا للقوى العاملة الصحية .
الثاني: غيابُ البنية المؤسسية للتواصل. فالمستشفى التي لا تملكُ مكتبَ خدمةِ مرضى فاعلًا، ولا أخصائيًّا اجتماعيًّا، ولا نظامَ شكاوى يُغلَق فيه الملفُّ بردٍّ حقيقي، هي مستشفًى تركت مرضاها بلا لغة، فلا تلومنّ الغضب.
الثالث: ثقافةُ العلاقة نفسِها. فنحن نُعلّم طلابَ الطبِّ التشخيصَ والعلاج، ونُعلّمهم قليلًا جدًّا كيف يُبلِّغون خبرًا سيئًا، وكيف يشرحون احتمالًا، وكيف يُنصِتون دون مقاطعة. ومهاراتُ التواصل ليست ترفًا سلوكيًّا؛ إنها أداةٌ علاجيةٌ مثبتةُ الأثر في الالتزام بالعلاج وفي رضا المريض وفي تقليل الشكاوى.
ما الذي تحقّق… وما الذي بقي
لا ينبغي أن نتحدّث وكأنّ الأرضَ ثابتة. فقد وضع قانون تنظيم المسئولية الطبية وسلامة المريض رقم ١٣ لسنة ٢٠٢٥ إطارًا تشريعيًّا طال انتظاره، يوازن بين حقِّ المريض في الأمان والتعويض وحقِّ الطبيب في محاكمةٍ فنيةٍ عادلةٍ أمام أهل الاختصاص، ويغلّظُ عقوبةَ الاعتداء على المنشآت الصحية والفريق الطبي. وهو تحوّلٌ جوهريٌّ من منطق «الاتهام الجنائي» إلى منطق «التقييم الفني».
لكنّ القانونَ سقفٌ لا بيت. القانونُ يمنعُ الاعتداء ولا يصنعُ الثقة. ولا تُصنَعُ الثقةُ إلا بأمورٍ لا تُشترى بمرسوم: أن يجدَ المريضُ من يشرحُ له، وأن يجدَ الطبيبُ من يحميه ويُنصفه، وأن تجدَ الواقعةُ الفرديةُ من يفحصُها فحصًا مهنيًّا شفافًا فلا تُطمَس ولا تُعمَّم، وأن يجدَ الإعلامُ في نفسه شجاعةَ أن يقول: «هذه حالةٌ فردية» حين تكون فردية.
وبعدُ…
في اختبار السمع، لا نكتفي بقياس ما تلتقطه الأذن؛ نقيسُ تمييزَ الكلام — أي قدرةَ الدماغ على أن يحوّل الصوتَ إلى معنى. وكثيرون يسمعون جيدًا ويميّزون سيئًا.
هذا تحديدًا ما نحتاجه بين الطبيب ومجتمعه: لا مزيدًا من الأصوات، بل قدرةً مستعادةً على تحويل صوتِ الآخر إلى معنى. أن يسمعَ المجتمعُ في تعبِ الطبيب استغاثةً لا تعاليًا، وأن يسمعَ الطبيبُ في غضبِ المريض خوفًا لا عدوانًا.
إنّ أوّلَ دواءٍ يُصرَف في أيِّ عيادةٍ لا يُكتَب على ورقة الروشتة: إنه الإنصات. وحين يَعطَبُ هذا الدواءُ الأول، لا ينفعُ ما بعده
