بقلم: أ.د. حسام عبد الغفار
في إحدى ليالي عام ٢٠١٥، التقطت عدسةُ هاتفٍ صورةً لطبيبة امتياز في أحد مستشفيات المكسيك وقد غلبها النعاس على مكتبها في جوف الليل، فطارت الصورة في الفضاء الإلكتروني مصحوبةً بتعليقٍ غاضب مؤداه: هكذا ينام الأطباء بينما يتألم المرضى. لم يذكر التعليق أن الطبيبة كانت تجاوزت الساعة الثلاثين من نوبتجية متصلة، وأنها أغفت دقائق معدودة بعد أن اطمأنت على مرضاها جميعًا. ثم حدث ما لم يتوقعه أصحاب الصورة: ردَّ أطباء العالم بحملة مضادة نشروا فيها صورهم نائمين على مقاعد الأقسام وأرضيات غرف العمليات تحت وسمٍ معناه «أنا أيضًا نمت»، ليقولوا للناس إن هذه الغفوة ليست تقصيرًا في حقكم، بل أثرٌ من آثار السهر على راحتكم.
تلك الصورة الواحدة تختصر حكاية عصرٍ بأكمله: حقيقةٌ مبتورة السياق تُطلَق في الفضاء، فتتحول في ساعات إلى محكمةٍ شعبية لا يُستدعى إليها شاهد ولا يُسمع فيها دفاع.
كهف أفلاطون… بشاشة مضيئة
قبل أربعة وعشرين قرنًا صوَّر أفلاطون البشرَ سجناء في كهف، لا يرون من العالم إلا ظلالًا تتراقص على جداره، فيحسبونها الحقيقة كلها، ويستنكرون على من خرج إلى النور أن يحدِّثهم عمَّا رأى. واليوم صارت شاشاتُ هواتفنا جدارَ الكهف الجديد، وصارت المقاطع المبتورة ظلالَه المتراقصة. وفي عام ١٩٢٢ كتب والتر ليبمان في كتابه «الرأي العام» أن الناس لا يستجيبون للواقع مباشرةً، بل يستجيبون «للصور الموجودة في أذهانهم»؛ كان يتحدث يومها عن الصحف، أما اليوم فقد صارت تلك الصور مقاطعَ من خمس عشرة ثانية تنتخبها الخوارزميات انتخابًا، لا لأنها الأصدق، بل لأنها الأكثر إثارةً للغضب.
البذرة الصادقة
إن حملات التشويه لا تبدأ عادةً بكذبة صريحة، بل بحقيقة منزوعة السياق؛ فالكذبة الخالصة سريعة الانكشاف، أما الحقيقة المبتورة فتحمل جواز مرورها في داخلها. ممرٌّ مزدحم صُوِّر في ذروة الاستقبال دون أن يُصوَّر بعد ساعةٍ وقد انتظم، وممرضة أنهكتها النوبتجية التُقطت في لحظة انفعال عابرة، وحالة تحويلٍ تأخَّرت لسببٍ طبي وجيه لم يظهر في الكادر. المشهد صحيح تقنيًّا، لكنه يفتقد من السياق ما يكفي ليحكي قصة مختلفة تمامًا. ثم تتولى الخوارزمية ما بقي؛ فقد وجدت دراسة شهيرة لمعهد MIT، حلَّلت انتشار عشرات آلاف الادعاءات عبر سنوات، أن الأخبار الكاذبة تنتشر أبعد وأسرع وأعمق من الصحيحة، وأن الحقيقة تحتاج ستة أضعاف الوقت لتبلغ الجمهور نفسه. وليس ذلك عصيًّا على الفهم: فالغضب أسرع من الدقة، والإثارة أربح من الإنصاف.
درسُ ابن خلدون في تمحيص الأخبار
ولم تكن هذه العلة وليدة الخوارزميات؛ فقبل ستة قرون شخَّصها ابن خلدون في مقدمته حين عدَّد أسباب تسرُّب الكذب إلى الأخبار: التشيُّع للآراء والمذاهب، والثقة بالناقلين دون تمحيص، والذهول عن المقاصد، وتقرُّب الناس إلى أصحاب النفوذ بما يُرضيهم. وجعل ميزانَ التمحيص النظرَ في طبائع الأمور وإمكان الوقوع، لا في كثرة الرواة وذيوع الرواية.. أما علماء النفس المعاصرون فيسمُّون الوجهَ المقابل لهذه القاعدة «تأثير الحقيقة الوهمية»: أن التكرار وحده يصنع التصديق، وأن العقل إذا سمع الادعاء مرارًا ألِفَه، وإذا ألِفَه صدَّقه، ولو لم يقم عليه دليل. فالمقطع المبتور لا يقنعنا بالحجة، بل يحاصرنا بالتكرار حتى يصير في أذهاننا «معرفة عامة» لا نذكر متى دخلت ولا من أين جاءت.
الشكوى نبضٌ… لا ضجيج
غير أن الإنصاف الذي نطلبه من الناس علينا أن نبدأ به أنفسنا؛ فوراء بعض المقاطع وجعٌ حقيقي لا يجوز إنكاره: انتظارٌ طال حتى أوجع، أو نقصٌ في خدمة، أو كلمةٌ جافة من مُرهَقٍ لمَوجوع. والطبيب الذي يستقبل الشكوى بوصفها عرَضًا يستدل به على موضع الداء أحكمُ من طبيبٍ يزجر مريضه لأنه تألَّم. وهنا يلزمنا تشخيصٌ دقيق يفرِّق بين حالتين: الشكوى الصادقة، وهي إنذار مبكر ونبضٌ يجب الإصغاء إليه وإصلاح ما وراءه، والحملة الممنهجة، وهي مرضٌ له أعراضه المميزة: توقيتٌ متزامن، ونبرةٌ واحدة تتكرر بألف لسان، وإصرارٌ على بتر السياق مهما قُدِّم. والخلط بين الحالتين خطأ في التشخيص يدفع ثمنه المريض والطبيب معًا؛ فمن عدَّ كلَّ شكوى مؤامرةً أغلق باب الإصلاح، ومن عدَّ كلَّ حملةٍ شكوى فتح بابَ الهدم.
ومن ثم يصبح واجب المؤسسة الصحية مزدوجًا: أن تُصلح الخلل الحقيقي قبل أن تشكو تشويهَه، وأن تروي قصتها بالبيانات والشفافية قبل أن يرويها غيرها عنها؛ فالصمت المؤسسي فراغٌ لا يبقى فارغًا، بل تملؤه الظلال. والشفافية الاستباقية ليست ترفًا إعلاميًّا، بل مناعةٌ مجتمعية؛ شأنها شأن التطعيم: جرعةٌ من الحقيقة الكاملة تُعطى قبل الإصابة، فإذا جاءت العدوى وجدت جسدًا مستعدًّا.
إن المقطع المبتور لا يعالج مريضًا واحدًا، لكنه قد يهدم ثقة أمةٍ في أطبائها؛ والثقة هي الجرعة الأولى في كل وصفة، فإذا سقطت سقط معها نصف الدواء. وما أحوجنا أن نخرج من الكهف قبل أن نحكم على الظلال، وأن نتبيَّن قبل أن نُصدِّق، وأن نُصلح قبل أن نشكو؛ فالحقيقة كالمريض: إن لم نسعفها في وقتها، سبقتها الشائعة إلى القلوب
