أ.د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة
في المقال السابق تحدثنا عن أحد أهم التحديات التي تواجه شباب الباحثين، وهو محدودية التمويل اللازم لإجراء البحوث العلمية، خاصة تكاليف التجارب المعملية، وجمع البيانات الميدانية للباحثين في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، وكذلك شراء المستلزمات البحثية. وأوضحنا أن نقص التمويل لا يؤثر فقط في حجم الإنتاج العلمي، بل ينعكس أيضًا على جودة البحوث وقدرتها على معالجة القضايا التنموية الهامة. لكن التحديات التي تواجه شباب الباحثين لا تقتصر على هذه الأمور المادية فقط، وإنما تمتد إلى أمور أخرى لا تقل أهمية، وفي مقدمتها مرحلة نشر نتائج البحث في المجلات العلمية الدولية المرموقة، وهي المرحلة التي تمثل حجر الزاوية في تقييم جودة البحث العلمي، وفي قياس الأداء البحثي للجامعات والباحثين على حد سواء. كما أنها أصبحت متطلب لوائحي في كل الجامعات تقريبًا في حال التقدم لمناقشة رسالة الدكتوراة.
وقد عانى الباحثون المصريون خلال السنوات الأخيرة من الارتفاع المستمر لتكاليف النشر العلمي الدولي في المجلات المصنفة والمفهرسة في قواعد البيانات العالمية، مثل Scopus وWeb of Science، وخصوصًا بعد أن أصبح النشر في هذه المجلات شرطًا أساسيًا للحصول على درجة الدكتوراه، وكذلك أحد أهم مؤشرات تقييم أعضاء هيئة التدريس عند التقدم للترقي الوظيفي. فالمتابع لهذا الملف يلحظ أن العديد من المجلات الدولية، خاصة تلك التي تعمل بنظام الوصول الحر (Open Access)، تفرض رسومًا مرتفعة قد تصل إلى آلاف الدولارات للبحث الواحد. ومع الارتفاع المستمر في أسعار الصرف للعملات الأجنبية خلال السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الرسوم هي العبء الأكبر على الباحثين المصريين، ولا سيما طلاب الدراسات العليا الذين تكون مواردهم المالية محدودة في الغالب. وتحرص الجامعات المصرية على تقديم دعم مالي للباحثين الذين تنشر أبحاثهم في المجلات المفهرسة بقواعد البيانات العالمية تشجيعًا للنشر الدولي، وقد يغطي هذا الدعم في بعض الحالات كامل رسوم النشر. ولكن تظل محدودية الموارد المالية في الجامعات تحديًا يجعل من الصعب عليها تحمل تكاليف التوسع الكبير في النشر الدولي، خاصة مع تزايد أعداد الباحثين والرغبة في تحسين ترتيها في التصنيفات العالمية.
وهناك تجربة رائدة في اتجاه دعم الباحثين للنشر في مجلات دولية، حيث اتخذت الدولة المصرية خطوة استراتيجية بالغة الأهمية من خلال بنك المعرفة المصري، الذي أبرم عدة اتفاقيات مع بعض دور النشر العالمية، مثل Springer Nature وElsevier وغيرها، لإعفاء الباحثين المصريين من تكاليف النشر في عدد كبير من المجلات الدولية بنظام الوصول الحر. وتعتبر هذه المبادرة من أهم المبادرات التي قام بها بنك المعرفة لأنها أتاحت نشر الأبحاث للباحثين المصريين بدون تكلفة وكذلك إتاحتها مجانًا للقراء والباحثين حول العالم لزيادة معدلات الاستشهاد بها. وقد ساهمت هذه المبادرة بالفعل في تخفيف الأعباء المالية عن الباحث المصري، وأدت إلى زيادة كبيرة في عدد الأبحاث المصرية المنشورة دوليًا، كما ساهمت في انتشار الإنتاج العلمي المصري ومعدل الاستشهاد به عالميًا.
ورغم أهمية هذه المبادرات التي تقوم بها الجامعات وبنك المعرفة للمساهمة في حل مشكلة ارتفاع تكاليف النشر الدولي، لكن ما زالت هناك حاجة ماسة إلى تطوير منظومة دعم للنشر العلمي الدولي أكثر شمولًا. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التوسع في الاتفاقيات مع دور النشر العالمية، وإنشاء صناديق وطنية لدعم رسوم النشر، وتشجيع مؤسسات التمويل والقطاع الخاص على المساهمة في هذا المجال باعتباره استثمارًا في المعرفة والابتكار. كما ينبغي العمل على الارتقاء بالمجلات العلمية المصرية، وتطوير معايير الجودة والتحكيم بها، حتى تتمكن أعداد أكبر منها من الانضمام إلى قواعد البيانات العالمية، بما يوفر للباحثين المصريين نوافذ نشر محلية ذات تأثير دولي.
على الرغم من التطور الكبير الذي شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة في حجم النشر العلمي الدولي، فإن المعدلات الحالية لعدد الأبحاث المنشورة لكل عضو هيئة تدريس في الجامعات المصرية ما زالت أقل من المستوى المأمول. فقد ارتفع عدد الأبحاث المصرية المنشورة دوليًا من نحو عشرة آلاف بحث عام 2014 إلى ما يقارب أربعين ألف بحث عام 2025، وهو إنجاز يعكس نموًا يقارب أربعة أضعاف خلال إحدى عشرة سنة، إلا ان متوسط عدد الأبحاث المنشورة لكل عضو هيئة تدريس ما زال منخفضًا. ففي السنوات الأخيرة تجاوز عدد أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية حاجز مائة ألف عضو، إلا أن متوسط الإنتاج العلمي لهم أقل من نصف بحث دولي لكل عضو هيئة تدريس سنويًا، في حين تشير التقديرات الدولية إلى أن المتوسط العالمي يقترب من 1.5 بحث لكل عضو هيئة تدريس سنويًا. وهو ما يفرض علينا ضرورة تسريع وتيرة الإنتاج العلمي المنشور دوليًا حتى نقترب من المعدلات العالمية. فالنشر الدولي هو أحد أكثر المؤشرات وزنًا في التصنيفات العالمية للجامعات، مثل تصنيف QS وTimes Higher Education وتصنيف شنغهاي.
وفي هذا السياق، فإن الحفاظ على شرط نشر بحث علمي دولي قبل مناقشة رسالة الدكتوراه هو سياسة أكاديمية سليمة يجب عدم التخلي عنها تحت أي ضغوط، بل يجب دراسة التوسع تدريجيًا في تطبيقه على بعض رسائل الماجستير، خاصة في التخصصات العلمية التي تسمح طبيعة أبحاثها بذلك. فالهدف من ذلك ليس تعقيد إجراءات منح الدرجات العلمية، بل ضمان أن تكون الرسائل الجامعية المصرية قادرة على التواجد الدولي وإضافة معرفة جديدة للمجتمع العلمي العالمي. وفي الوقت نفسه، ينبغي إدراك أن بعض التخصصات، وخاصة العلوم الاجتماعية والإنسانية، تواجه تحديات إضافية في النشر الدولي، لا تقتصر على ارتفاع الرسوم، وإنما تشمل طول فترات التحكيم، وارتفاع معدلات الرفض، والحاجة إلى إجراء تعديلات جوهرية قد تستغرق شهورًا عديدة قبل قبول البحث للنشر. ولذلك فإن المطلوب ليس إلغاء شرط النشر، وإنما تقديم دعم علمي وفني أكبر للباحثين في هذه التخصصات، من خلال التدريب على الكتابة الأكاديمية باللغة الإنجليزية، وتوفير خدمات المراجعة اللغوية والتحرير العلمي، وإنشاء وحدات متخصصة داخل الجامعات لمساندة الباحثين حتى اجتياز مراحل التحكيم بنجاح.
وفي الختام نؤكد أن تمكين الباحث من نشر نتائجه في المجلات العلمية الدولية المرموقة سينعكس بالإيجاب على السمعة الدولية للجامعات والبحث العلمي المصري، وأن الاستمرار في تشجيع النشر الدولي هو ضرورة استراتيجية للحفاظ على مكانة الجامعات المصرية في التصنيفات العالمية، وتعزيز حضور البحث العلمي المصري على الساحة الدولية. وهناك عدة سبل لتوسيع مصادر تمويل النشر، من ضمنها الشراكات مع دور النشر العالمية، والقطاع الخاص، والجهات المانحة، والتي ينبغي العمل عليها خلال المرحلة المقبلة، لتيسير النشر الدولي للباحث المصري.
