كتب جودة عبد الصادق
«من أوراقي القديمة وأحلام الطفولة إلى واقع أنا صنعته.. الفن كان طريقي الوحيد لأثبت وجودي».. بهذه الكلمات تختصر يوستينا يوسف فايق رحلة طويلة من السعي والشغف، بدأت منذ طفولتها حين كانت تكتب القصص، وتحلم بأن تصبح يومًا جزءًا من عالم السينما.
يوستينا، البالغة من العمر 28 عامًا، خريجة كلية الإعلام قسم الإذاعة والتليفزيون، تؤكد أن هذه ليست المرة الأولى التي تكتب عنها الصفحة، فقد سبق أن تناولت تجربتها ثلاث مرات؛ الأولى عن فيلمها «روح كعب عالي»، والثانية عن الورشة التي قدمتها للأطفال لتعليمهم صناعة الأفلام.
وتقول يوستينا: «أنا مصحيتش في يوم وليلة لقيت نفسي بكتب أو بألف.. دي رحلة سعي وشغف بشتغل عليها رغم كل الصعوبات. الطريق مش سهل، لكن أنا دايمًا مؤمنة إن ليا دور في الأرض، وإن ليا رسالة من خلال الفن، وإن صوت الناس اللي مش عارفة توصل صوتها لازم يتسمع».
الحكاية بدأت من المدرسة
منذ طفولتها، كانت يوستينا تحب كتابة القصص، إلى أن أخبرتها خالتها وهي في المرحلة الابتدائية بوجود معهد السينما.
وتتذكر تلك اللحظة قائلة: «دخلت على فيسبوك وأنا في إعدادي وبدأت أعمل سيرش عن معهد السينما، وجبت امتحانات السيناريو. وأنا في ثانوي رحت عند معهد السينما واشتريت الامتحانات والسيناريوهات، وبدأت أعلم نفسي بنفسي كتابة السيناريو، وأحوّل القصص اللي بكتبها من وأنا صغيرة إلى سيناريوهات».
وكان للقراءة دور كبير في تكوين خيالها، خاصة قصص الفانتازيا التي كانت تبحث عنها في سور الأزبكية.
وتقول ضاحكة: «كنت أروح سور الأزبكية وأقول له عايزة قصص فانتازيا، فيديني قصص خيال علمي، فأقول له لا، في فرق بين الفانتازيا والخيال العلمي.. الفانتازيا حاجات زي هاري بوتر».
لم تكن الدراسة طريق النجاح
تعترف يوستينا بأن تفوقها الدراسي لم يكن هو طريقها، فقد واجهت صعوبات كبيرة في المدرسة، حتى إنها قسمت الثانوية العامة على عامين.
لكنها عندما دخلت كلية الإعلام، تغير كل شيء.
تقول: «أنا في المدرسة مكنتش شاطرة خالص، وكنت بسقط. قدراتي الدراسية مكنتش أحسن حاجة. خلصت ثانوية عامة ودخلت إعلام قسم إذاعة وتليفزيون».
في البداية كانت تفكر في دراسة الصحافة لأنها تحب الكتابة، لكنها قررت أن تجرب قبل اختيار التخصص، فنزلت تدريبًا في جريدة الجمهورية، إلا أنها لم تجد نفسها في هذا المجال.
وتضيف: «قلت طب إيه أقرب حاجة برضه لموهبتي؟ دخلت إذاعة وتليفزيون».
وخلال سنوات الجامعة الأربع، لم تنتظر يوستينا التخرج لتبدأ التجربة، وإنما خاضت تدريبات وكورسات متعددة، رغبة في أن تختبر كل جوانب المجال مبكرًا.
ومن بين تجاربها تدريب استمر عامًا في إذاعة 99 FM مع أحمد شبانة، حيث تدربت على الدوبلاج، والمكساج، والإذاعة، والتعليق الصوتي، والتمثيل الإذاعي، والإعداد، والريبورتاج وغيرها من المهارات.
لكن أكثر ما جذبها كان الكتابة، وخاصة المسلسلات الإذاعية.
وتوضح: «من وأنا صغيرة كانت تيتة تشغل الراديو ونسمع مسلسلات إذاعية، وكانت بتفتح وتوسع الخيال عندي».
بعد التخرج.. مدرسة تجمع ثمن حلمها
بعد التخرج، لم تجد يوستينا فرصة عمل في مجالها، لكن شغفها بالفن لم يتراجع.
تقول: «الفن بالنسبة لي هو نفسي اللي بتنفسه».
ولم تستسلم، فعملت مدرسة للغة الإنجليزية في حضانة، وبعد انتهاء عملها كانت تعطي دروسًا في اللغة الفرنسية، حتى تتمكن من توفير المال اللازم لتحقيق حلمها.
كان هدفها واضحًا: إنتاج فيلمها الأول بنفسها.
وبالفعل، خرج إلى النور فيلم «روح كعب عالي»، بطولة محمود فارس وسمير حكيم، وشاركت يوستينا في عدد من البرامج، كما كُتب عن الفيلم في جريدة الجمهورية.
الفيلم تناول قضايا ورسائل مهمة، من بينها رفض المرأة، والعنصرية، واستغلال المرأة في بعض المجتمعات، والمرض النفسي.
وكان تتويج الفيلم بحصوله على جائزة في مهرجان الجزائر الدولي لحظة فارقة في حياتها.
وتقول: «ثقتي بنفسي زادت جدًا».
«كنت عايزة أقول للي راهنوا على فشلي.. أنا نجحت»
وراء النجاح قصة أخرى لا تقل أهمية، فقد كانت يوستينا تتذكر كلمات قاسية سمعتها في سنوات الدراسة.
وتقول: «كان نفسي أروح لكل حد راهن على فشلي وقت دراستي في المدرسة وأقول له: أنا نجحت».
وتؤكد أن تجربتها جعلتها تعيد التفكير في شكل التعليم الذي يحتاجه الطلاب، قائلة إن نجاحها في الجامعة كان مختلفًا لأنها درست مجالًا يعتمد بدرجة كبيرة على الإبداع والتطبيق وليس الحفظ.
وتضيف: «نفسي أشوف التعليم في مدارسنا يتغير، ويبقى فيه مساحة أكبر للإبداع».
لكن بالنسبة ليوستينا، نجاح الفيلم لم يكن النهاية، بل كان بداية مرحلة جديدة.
من صناعة الفيلم إلى تعليم الأطفال
بعد نجاح فيلمها الأول، قررت يوستينا أن تنقل تجربتها إلى الأطفال.
فأثناء عملها في الحضانة، استغلت الإجازة الصيفية لتنظيم Summer School لتعليم الأطفال صناعة الأفلام، بداية من الفكرة وحتى تنفيذ منتج باستخدام الهاتف المحمول.
والأهم أنها قدمت التجربة دون مقابل مادي، لأنها كانت ترى أن نقل المعرفة وصناعة جيل يحب الفن جزء من رسالتها.
لوكيشن فايندر.. وظيفة من أجل حلم جديد
وفي هذه المرحلة، بدأت يوستينا تعمل في مجال الـLocation Finding، وهو البحث عن الأماكن المناسبة لتصوير الأعمال الفنية، مثل البيوت والفيلات والمواقع المختلفة، وتجهيزها لمدير الإنتاج وفقًا لاحتياجات الفيلم أو المسلسل.
لكنها لا تنظر إلى هذه الوظيفة باعتبارها نهاية الطريق.
تقول: «أنا بشتغل عشان أحوش، عشان أعمل فيلمي من إنتاجي، ويكون فكرة وسيناريو وحوار بتوعي».
«قشر السمكة».. فيلم يحمل رسالة
هذه المرة، اختارت يوستينا موضوعًا مختلفًا، موضوعًا تقول إنها تريد أن يسمعه الجميع.
إنه مرض قشر السمكة، وهو اسم يُطلق على مجموعة من الاضطرابات الجلدية التي تتميز بجفاف شديد وتقشر في الجلد يشبه قشور السمك، وقد تكون وراثية أو مكتسبة.
وتقول يوستينا إن فكرتها الأساسية من الفيلم هي نشر الوعي بأن المرض غير معدٍ، ومواجهة النظرة الخاطئة التي يتعرض لها المصابون به.
وبدأت رحلتها من خلال التواصل مع مرضى المرض عبر صفحات ومجموعات متخصصة، لتستمع إلى تجاربهم ومعاناتهم.
وتحكي: «الناس شجعتني جدًا، وقالوا لي: كنتي فين من زمان؟ إحنا نفسنا حد يسمع عنينا. وفي ناس كانت بتكلمني وتقول لي: أنا بدعي لكِ، يا رب حاجة تتغير».
وكانت هذه الكلمات دافعًا أكبر لها لاستكمال الفيلم.
فريق العمل.. حلم يتحول إلى شاشة
خرج الفيلم إلى النور بمشاركة الفنانة نيرة عارف في دور الأم، والطفل يحيى، والشاب والبلوجر زياد ممدوح، إلى جانب الفنان أشرف طلبة في دور الطبيب، والفنانة نور في دور الأخصائية الاجتماعية.
الفيلم من إخراج محمد السيد، ومدير التصوير كريم أيوب، الذي تصفه يوستينا بأنه كان داعمًا لها وتحمل مسؤولية كبيرة خلال التصوير.
وتدور أحداث الفيلم حول الشاب نور، الذي يتمتع بصوت جميل، لكنه يواجه صعوبات بسبب عدم وعي المجتمع بمرضه.
فيقرر ارتداء قناع والغناء من خلفه، بينما يواجه التنمر في المدرسة من زملائه بسبب رائحة يعتقدون أنها مرتبطة به، في حين أن الرائحة قد تكون ناتجة عن بعض الكريمات والعلاجات المستخدمة في التعامل مع حالته.
وهنا تعود يوستينا إلى رسالتها الأساسية: الفن ليس مجرد صورة أو حكاية.. الفن يمكن أن يكون صوتًا لمن لا يستطيع أن يوصل صوته.
ومن طفلة كانت تشتري قصص الفانتازيا من سور الأزبكية، إلى شابة تنتج أفلامها بنفسها وتبحث عن حكايات تستحق أن تصل إلى الناس، تواصل يوستينا يوسف رحلتها.
رحلة لم تكن سهلة، لكنها تؤمن أن الأحلام لا تتحقق بالانتظار، وإنما بالسعي والعمل والإصرار.
يوستينا لا تقول إن الطريق انتهى.. بل تؤكد أن الحكاية الحقيقية ما زالت في بدايتها.


