جودة عبد الصادق
في حياة كل إنسان لحظة صغيرة قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في داخلها ملامح الطريق الذي سيقطعه لاحقًا.
وبالنسبة للدكتورة سارة فوزي، كانت البداية من مكان بسيط للغاية: الإذاعة المدرسية.
هناك، بدأت علاقتها الأولى بالميكروفون، بين إعداد الفقرات والتقديم وتنظيم المحتوى، قبل أن يتحول هذا الشغف المبكر إلى حلم واضح بدراسة الإعلام والعمل في مجاله.
اليوم، أصبحت سارة فوزي واحدة من الأكاديميات المهتمات بالإعلام الرقمي وتطوراته، وتشغل منصب مدرس الإذاعة والتليفزيون والإعلام الرقمي بكلية الإعلام جامعة القاهرة، إلى جانب دورها في قيادة وحدة الذكاء الاصطناعي بالكلية، التي تعمل على ربط الإعلام بالتقنيات الحديثة وتدريب الطلاب والباحثين على أدوات المستقبل.
من الإذاعة المدرسية بدأت الحكاية
لم يكن اختيار الإعلام بالنسبة لسارة فوزي مجرد قرار دراسي، وإنما امتداد لشغف بدأ في سن مبكرة.
فالإذاعة المدرسية كانت المساحة الأولى التي اكتشفت فيها قدرتها على التقديم وصناعة المحتوى والتواصل مع الآخرين، ومن هنا جاء قرارها بالالتحاق بكلية الإعلام.
ومع دخولها قسم الإذاعة والتليفزيون، اتسعت الرؤية، ولم يعد الهدف مجرد العمل في المجال الإعلامي، وإنما الجمع بين الممارسة المهنية والبحث العلمي، والاستفادة من المعرفة الأكاديمية في تطوير صناعة الإعلام.
بين الأكاديمية والممارسة
تؤمن سارة فوزي بأن الإعلام الحديث لم يعد مجالًا يمكن الفصل فيه بين الدراسة النظرية والممارسة العملية.
فالتطور المتسارع في التكنولوجيا، وظهور الإعلام الرقمي، ثم دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى صناعة المحتوى، فرض على المتخصص الإعلامي أن يطور أدواته باستمرار، وأن يظل قريبًا من احتياجات السوق والجمهور في الوقت نفسه.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في نشاطها الأكاديمي والبحثي، حيث شاركت في دراسات تناولت موضوعات مرتبطة بالإعلام الرقمي وسلوك مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب أبحاث أخرى في مجالات الإعلام والدراما والاتصال.
الذكاء الاصطناعي.. إعلام المستقبل
ومع التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام، أصبحت سارة فوزي حاضرة في ملف الذكاء الاصطناعي داخل كلية الإعلام بجامعة القاهرة.
وفي عام 2026، شاركت وحدة الذكاء الاصطناعي بالكلية في تنظيم ورش متخصصة تناولت الرصد والتحليل الإعلامي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التعامل مع البيانات وفهم اتجاهات الجمهور ودعم صناعة القرار.
وترى فوزي أن مستقبل الإعلام يقوم على التكامل بين أدوات الرصد الذكي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بفهم الجمهور بصورة أكثر دقة وسرعة، ويمنح المؤسسات الإعلامية قدرة أكبر على التعامل مع التطورات والأزمات.
وهنا يبدو أن الحلم القديم لم يتغير، وإنما تغيرت أدوات تحقيقه.
فالفتاة التي بدأت رحلتها أمام ميكروفون الإذاعة المدرسية، أصبحت اليوم تعمل على إعداد جيل جديد من الإعلاميين القادرين على التعامل مع التكنولوجيا وصناعة المحتوى في عصر الذكاء الاصطناعي.
الإنسان قبل النجاح
وراء المسار الأكاديمي والمهني، تحمل تجربة سارة فوزي جانبًا إنسانيًا مهمًا؛ فطريق النجاح، كما تراه، لا يخلو من الضغوط والتحديات، ولا يمكن أن يكون النجاح الحقيقي منفصلًا عن حياة الإنسان وتوازنه النفسي والاجتماعي.
ومن هنا تأتي أهمية أن يعرف الإنسان متى يستمر، ومتى يتوقف قليلًا ليراجع خطواته، ومتى يقول «لا» لما يستهلك طاقته دون أن يضيف إلى حياته.
فالنجاح ليس فقط أن تصل إلى المكان الذي حلمت به، وإنما أن تصل إليه وأنت ما زلت قادرًا على الاستمتاع بحياتك، والحفاظ على علاقاتك، والاحتفاظ بالإنسان الذي كنت عليه في بداية الطريق.
حلم لم ينتهِ
لا تبدو رحلة سارة فوزي وكأنها وصلت إلى محطتها الأخيرة.
فالحلم الذي بدأ من الإذاعة المدرسية ما زال يتسع، من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الرقمي، ومن البحث الأكاديمي إلى الذكاء الاصطناعي، ومن مجرد صناعة المحتوى إلى محاولة فهم الجمهور الذي يتلقى هذا المحتوى.
وهكذا تصبح قصتها أكثر من مجرد سيرة أكاديمية أو مهنية؛ إنها رحلة تؤكد أن الأحلام الكبيرة قد تبدأ من لحظة صغيرة، وأن الشغف الحقيقي لا يموت عندما تتغير الأدوات.
فمن حلم دراسة الإعلام، وصلت سارة فوزي إلى مرحلة المشاركة في صناعة أدواته الجديدة.
لأن لكل حلم بداية.. ولكل بداية حكاية.


