بقلم: مريم عرجون
ليس أشدَّ خطرًا على الأمم من أن تُخدع بصورة نفسها، فتظن أنها تمضي مع التاريخ، وهي في الحقيقة واقفة على هامشه، تلوِّح للمارّين فيه، فإن التاريخ لا يلتفت إلى الأمنيات، ولا يرقب المتثاقلين، وإنما يمضي بقانونٍ لا يرحم، يرفع من عرف وجهته، ويطوي من رضي أن يعيش في ظل ما يصنعه غيره.
وقد أقبل على العالم اليوم طورٌ جديد، ليس امتدادًا لما سبقه، بل انعطافًا يكاد يبدل صورة الحضارة نفسها، فما كانت الثورات الماضية إلا تسخيرًا للطبيعة وقواها، أما هذه فمحورها العقل، إذ صار الإنسان يصنع آلةً لا تكتفي بأن تنفذ أمره، بل تحاكي طرائق تفكيره، وتستخرج من البيانات معرفة، ومن المعرفة قرارًا، ومن القرار قوةً تتجاوز حدود المصنع إلى حدود الدولة.
ومن هنا يخطئ من يظن أن الذكاء الاصطناعي شأنٌ تقني ضيق، أو ترفٌ تستزيد به الأمم بعد اكتمال نهضتها، بل هو اليوم مقياسٌ جديد لميزان القوة، كما كان الحديد يومًا، ثم الطاقة، ثم المعرفة الرقمية، ومن لم يدرك هذا التحول أدركه التحول نفسه، ولكن بعد أن يكون قد فقد موضعه بين الأمم.
وليس السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا: هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي العالم؟ فهذا سؤال تجاوزه الزمن، لأن العالم قد دخل بالفعل في زمنه الجديد، وإنما السؤال الحق: أين موضع الجزائر من هذا المشهد؟ أفي الصفوف التي تبتكر وتنتج، أم في الصفوف التي تنتظر ما يُلقى إليها من منتجات الآخرين؟ أتنقش اسمها في سجل الصناعة، أم تكتفي بقراءة ما يكتبه غيرها في سجل التاريخ؟
إن الجزائر لا تعوزها العقول، وإنما قد يعوزها حسن توجيهها، ففي جامعاتها، وفي مدارسها، وفي صدور شبابها، طاقات لو وجدت البيئة التي تستخرج مكنونها، لتحولت الفكرة إلى صناعة، والبحث إلى اقتصاد، والعلم إلى سيادة، غير أن العقول مهما بلغت من الذكاء، تذبل إذا لم تجد دولةً تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو أصل كل استثمار.
ولقد درج كثير من الناس على أن يجعلوا الثروة فيما تستخرجه الأرض من نفطٍ وغاز، وغفلوا عن أن تلك الثروة نفسها لا تغني أمةً فقدت القدرة على العلم، فما قيمة المادة إذا بقي العقل الذي يديرها مستوردًا؟ وما جدوى الموارد إذا كانت أدوات استثمارها، وبرامج تشغيلها، وقرارات تطويرها، تُصنع كلها خارج حدود الوطن؟
إن الأمم لا تُقاس بما تملك، بل بما تحسن أن تصنع مما تملك، وقد رأينا بلادًا فقيرة في الموارد، غنيةً بالعلم، فغلبت دولًا تفيض خزائنها بالثروات، لأن العقل إذا استيقظ صار أثمن من المناجم، وأبقى أثرًا من الحقول.
وليس الذكاء الاصطناعي برنامجًا يُشترى، ثم يُظن أن القضية قد انتهت، بل هو بناءٌ يبدأ من الطفل في مدرسته، حين يتعلم كيف يسأل قبل أن يحفظ، وكيف يفكر قبل أن يكرر، ثم يمتد إلى الجامعة، حيث يُنتج البحث، لا حيث تُكدس الشهادات، ثم يبلغ الصناعة والإدارة والطب والدفاع والإعلام، حتى يغدو أسلوبًا في إدارة الدولة، لا مجرد تقنيةٍ في بعض مؤسساتها.
وقد أخطأ من ظن أن شراء التكنولوجيا يكفي لصناعة المستقبل، فالمستقبل لا يُستورد في الحاويات، وإنما يُولد في المختبرات، ويُربى في الجامعات، ويشتد عوده في بيئةٍ تُكرم الكفاءة، وتفتح الطريق أمام المبدعين، فلا تجعل البيروقراطية سيفًا على أعناق الأفكار.
والجزائر تملك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون قطبًا علميًا في إفريقيا والعالم العربي، موقعًا، وثروةً، وشبابًا، ومؤسسات تعليمية واسعة، غير أن هذه العناصر المتفرقة لا تصنع نهضة حتى يجمعها مشروعٌ وطني يرى في المعرفة أمنًا قوميًّا، وفي الابتكار قضية سيادة، لا بندًا ثانويًا في خطط التنمية.
وأخطر ما يهدد الأمم ليس أن تتأخر قليلًا، وإنما أن تعتاد التأخر حتى تراه أمرًا طبيعيًا، فإن الفجوة في هذا العصر لا تُقاس بالسنوات، بل بالأجيال، ومن فاته زمن الصناعة استطاع أن يلحق، أما من يفوته زمن الذكاء الاصطناعي، فقد يجد نفسه تابعًا في قراراته، واقتصاده، وثقافته، وهو يظن أنه مستقل.
ولقد علمتنا الجزائر، في أشد ساعاتها قسوة، أن الإرادة إذا صحت صنعت المستحيل، وما حرر الأرض بالأمس قادرٌ على أن يحرر العقل اليوم، إذا أيقن أن معركة هذا العصر لم تعد معركة الحدود وحدها، بل معركة المعرفة التي تحرس الحدود، وتصنع الاقتصاد، وتحفظ السيادة.
ليس الذكاء الاصطناعي حدثًا عابرًا يمر في سجل الحضارة، بل هو لحظةٌ يُعاد فيها توزيع القوة بين الأمم، ويُوزن فيها صدق الإرادات لا كثرة الشعارات، إنه لا يسألنا: ماذا نملك؟ بل يسألنا: ماذا نستطيع أن نصنع مما نملك؟ فالأمم لا تسقط حين تفتقر إلى الوسائل، وإنما حين تفقد الشجاعة التي تجعلها تخلق وسائلها بيديها.
ولسنا اليوم بإزاء قطارٍ يفوت أو يُدرك، فذلك تصويرٌ يُهوِّن من حقيقة الأمر، بل نحن بإزاء زمنٍ يُكتب الآن، ومن لم يكتب فيه اسمه، كُتب عليه أن يقرأ أسماء الآخرين إلى الأبد، فالتاريخ لا يلتفت إلى من يقف على عتبته مترددًا، ولا يفتح صفحاته لمن اعتاد الانتظار، لأنه لا يصنع المتأخرين شهداء، بل يجعلهم هوامش في كتابٍ لم يشاركوا في تأليفه،
فليس السؤال: متى يبلغنا المستقبل؟ فإن المستقبل لا يرتحل إلى أحد، وإنما يولد حيث توجد الإرادة التي تستحقه، وإنما السؤال الذي ينبغي أن يقلق ضمائرنا هو: هل هيأنا للعقل الجزائري أرضًا ينبت فيها، أم تركناه يهاجر كما تهاجر البذور من التربة التي جف فيها الماء؟ فإن الأمم لا تضيع حين يفوتها قطار، بل تضيع حين تقنع أن الأرصفة قدرها، وأن مراقبة الراحلين تغنيها عن مشقة السير.
