على مدار ما يقرب من قرنين، ظل قصر العيني أحد أبرز رموز القوة الناعمة المصرية، ومنارةً للعلم والطب، ومؤسسةً أسهمت في صناعة النهضة الطبية في مصر والمنطقة العربية وأفريقيا، وخرجت أجيالًا من الأطباء والعلماء الذين حملوا رسالة الطب والعلم إلى مختلف أنحاء العالم.
ومن بين الشهادات الدولية الموثقة التي تؤكد المكانة العالمية التي بلغها قصر العيني، ما أورده الدكتور روس في كتابه “الجغرافيا الطبية بمصر”، الذي قُدم إلى ملك إيطاليا عام 1869، حيث رصد فيه واقع المنظومة الصحية والتعليمية في مصر، مشيدًا بما وصلت إليه مدرسة طب قصر العيني من تطور علمي وتنظيم إداري متقدم.
وأشار الدكتور روس إلى أن مدرسة طب قصر العيني بلغت مرحلة متقدمة من الازدهار تحت قيادة الدكتور محمد علي باشا البقلي، ثاني رئيس وطني للمدرسة، الذي رسخ دعائم الإدارة المصرية الخالصة، وقاد المؤسسة نحو مرحلة جديدة من التميز العلمي والإداري، بما عزز مكانتها بين كبرى المؤسسات الطبية في العالم آنذاك.
وأكد التقرير أن الدولة المصرية أولت اهتمامًا بالغًا بإعداد الأطباء وتأهيلهم، ووفرت لهم أفضل سبل التعليم والتدريب، وهو ما أسهم في تكوين هيئة طبية وطنية متكاملة تمتلك الكفاءة والخبرة والاستقلالية.
ووصف الدكتور روس الأطباء المصريين بأنهم يتمتعون بمستوى علمي ومهني رفيع، مؤكدًا أن الهيئة الطبية المصرية «جديرة بكل احترام وتقدير»، وأنها تمتلك من الكفاءة ما يجعلها تضاهي أطباء أكبر المدن الأوروبية، في شهادة تاريخية تعكس حجم التقدم الذي حققته مصر في المجال الطبي خلال القرن التاسع عشر.
وتبقى هذه الشهادة الدولية شاهدًا مهمًا على أن قصر العيني لم يكن مجرد كلية أو مستشفى جامعي، بل كان مشروعًا وطنيًا رائدًا أسهم في بناء منظومة صحية حديثة، ورسخ مكانة مصر العلمية والطبية على الساحة الدولية، ليظل بعد أكثر من 200 عام أحد أهم الصروح الأكاديمية والطبية، وعنوانًا دائمًا لريادة الطب المصري وقوته الناعمة.
