لم تكن تعرف أن الهروب من الخوف قد يقودها إلى خوف أكبر، وأن الطفلة التي خرجت من بيتها بحثًا عن الأمان ستجد نفسها وحيدة في قلب العاصمة، تصارع قسوة الحياة وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها.
قصة هذه الفتاة ليست مجرد واقعة اعتداء، وإنما حكاية طفلة حُرمت من طفولتها مبكرًا، وتوالت عليها الظروف القاسية حتى وجدت نفسها في الشارع، تبحث عن لقمة العيش، قبل أن تقع فريسة لجريمة بشعة هزت ميدان رمسيس.
البداية.. بيت لم يعد آمنًا
بدأت المأساة بعد وفاة والد الفتاة، لتتزوج والدتها من رجل آخر، ظنًا منها أنه سيكون سندًا للأسرة ويحميها من قسوة الحياة.
لكن، وفقًا لما ورد في التحقيقات آنذاك، تحول وجود الرجل في المنزل إلى مصدر خوف للفتاة، بعدما تعرضت لاعتداءات جنسية من زوج والدتها.
كانت طفلة لا تعرف كيف تواجه ما يحدث، ولا كيف تصرخ، ولا لمن تروي ما تعرضت له.
اختارت الصمت خوفًا على والدتها، وخشية أن يؤدي كشف الحقيقة إلى انهيار الأسرة، حتى وصلت الأمور إلى نقطة لم تعد معها قادرة على البقاء داخل المنزل.
ورغم أنها حررت بلاغًا ضد زوج والدتها، فإنها تراجعت عنه لاحقًا تحت ضغوط أسرية، لتعود إلى نفس البيئة التي كانت تخشاها.
الهروب من البيت
قررت الفتاة في النهاية أن تهرب.
لم يكن معها مال، ولا مكان تلجأ إليه، ولا شخص بالغ يحميها، لكنها كانت ترى أن الشارع، بكل ما يحمله من مخاطر، ربما يكون أرحم من العودة إلى منزل لم تعد تشعر داخله بالأمان.
توجهت إلى ميدان رمسيس، وحاولت أن تجد لنفسها مصدرًا بسيطًا للدخل، فعملت في بيع الشاي.
كانت تحاول أن تعيش مثل أي فتاة في عمرها، وأن تكسب قوت يومها بعيدًا عن المشاكل.
لكن الشارع لم يكن أكثر رحمة.
فريسة في قلب الميدان
بحسب أقوال الفتاة في التحقيقات، تعرضت خلال وجودها في الميدان لمضايقات من بعض الأشخاص، وكانت تحاول دائمًا الابتعاد عن المشاكل.
وفي إحدى الليالي، استدرجها أحد الأشخاص بحجة أن الشرطة قادمة وأنها قد تتعرض للقبض عليها، وأخبرها أن بإمكانها الاختباء خلف أحد الأكشاك.
لم تكن تعرف أن تلك الحيلة ستقودها إلى الكارثة.
هناك، فوجئت بأربعة أشخاص، وقاموا بتهديدها بأسلحة بيضاء، ومنعوها من المقاومة، ثم اعتدوا عليها جنسيًا.
كانت طفلة بمفردها في مواجهة أربعة أشخاص، وتحت تهديد السلاح، بينما لم تجد من ينقذها.
وبعد انتهاء الاعتداء، تركها المتهمون وفروا من المكان.
حلم صغير تحطم
خلال التحقيقات، كشفت الفتاة عن الجانب الأكثر قسوة في قصتها.
كانت تحلم بحياة طبيعية، وأن تستكمل تعليمها، وتصبح طبيبة أو عالمة أو مدرسة، وأن يكون لها مستقبل مثل بقية الفتيات في عمرها.
لكن سلسلة الأحداث التي مرت بها دفعتها إلى الشارع، ثم جعلتها ضحية لجريمة جديدة.
لم تكن تبحث عن شيء سوى الأمان والعمل، لكنها وجدت نفسها في مواجهة جريمة سرقت منها ما تبقى من إحساسها بالأمان.
الشرطة تتحرك
بعد الإبلاغ عن الواقعة، بدأت الأجهزة الأمنية تحرياتها للوصول إلى المتهمين، وتمكنت من ضبط اثنين منهم، بينما استمرت الإجراءات لضبط باقي المتهمين.
وتحرر محضر بالواقعة، وأحيلت القضية إلى النيابة العامة التي تولت التحقيق.
ليست جريمة اعتداء فقط
القصة في حقيقتها أكبر من مجرد حادثة وقعت في أحد أركان ميدان مزدحم.
إنها قصة طفلة فقدت والدها، ثم فقدت الأمان داخل منزلها، واضطرت إلى الهروب، قبل أن تجد نفسها وحيدة في الشارع، لتصبح هدفًا لمجرمين استغلوا ضعفها وحاجتها وخوفها.
وربما كان السؤال الأصعب في هذه الحكاية ليس فقط: كيف ارتكب هؤلاء جريمتهم؟
بل: كيف تُركت طفلة في الخامسة عشرة من عمرها تواجه كل هذه المخاطر وحدها؟
فالأطفال لا يختارون الظروف التي يولدون فيها، ولا يملكون دائمًا القدرة على حماية أنفسهم من الكبار.
و”رحمة” لم تكن بحاجة إلى معجزة.. كانت بحاجة فقط إلى بيت آمن، وأسرة تحميها، ويد تمتد إليها قبل أن تمتد إليها يد المجرمين.


