كتب جودة عبد الصادق إبراهيم
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتغير فيه موازين القوى من ساعة إلى أخرى، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بما تملكه من سلاح أو اقتصاد، وإنما بقدرتها على حماية قرارها الوطني، والحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية، وإدارة أزماتها بعقلٍ هادئ بعيدًا عن الانفعال والمزايدات.
وهنا تأتي أهمية الدولة المصرية، التي أثبتت على مدار السنوات الماضية أن التعامل مع الأزمات لا يكون بالصوت المرتفع، ولا بالشعارات، وإنما بالحسابات الدقيقة التي تضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار.
مصر ليست دولة عابرة في محيطها، ولا يمكن فصل أمنها واستقرارها عن محيطها العربي والإقليمي. ولذلك فإن كل تطور يحدث حولها يفرض عليها أن تكون يقظة، وأن تتحرك وفق رؤية تحمي مصالحها وتحافظ في الوقت نفسه على أمنها القومي.
وفي السياسة، ليست كل المواقف تُقال أمام الكاميرات، وليست كل التحركات تُعلن في لحظتها. هناك قرارات تُصنع في غرف مغلقة، واتصالات تُجرى بعيدًا عن الأضواء، ومواقف تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة قبل الإعلان عنها.
وهذا تحديدًا ما يجب أن يفهمه المواطن المصري في هذه المرحلة.
فالوطن ليس ساحة لتجارب مواقع التواصل الاجتماعي، وليس من الحكمة أن تتحول القضايا المصيرية إلى معارك بين مؤيد ومعارض. الاختلاف في الرأي حق، والنقد البناء ضرورة، لكن عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي ومصالح الدولة العليا، يجب أن يكون النقاش مسؤولًا، بعيدًا عن الشائعات والتحريض ونقل المعلومات غير الموثقة.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات في أوقات الأزمات ليس فقط الخطر الخارجي، وإنما حالة الفوضى الداخلية التي يمكن أن تصنعها الشائعات، وتضخّمها منصات التواصل، وتستغلها أطراف لا تريد الخير للوطن.
ومن هنا تصبح مسؤولية المواطن لا تقل أهمية عن مسؤولية مؤسسات الدولة؛ فالمواطن الواعي لا يشارك في نشر خبر مجهول المصدر، ولا يساهم في نشر الخوف، ولا يسمح لأحد بأن يحوّل اختلافه السياسي إلى خصومة مع وطنه.
مصر تحتاج في هذه المرحلة إلى الوعي قبل أي شيء، وإلى التكاتف، وإلى إدراك أن قوة الدولة الحقيقية تبدأ من قوة مجتمعها وتماسكه.
وقد نختلف في وجهات النظر، وقد ننتقد بعض القرارات، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع، لكن يبقى هناك خط أحمر اسمه مصلحة مصر.
فالسياسة تتغير، والحكومات تتغير، والظروف الدولية تتبدل، لكن الوطن يبقى.
ولهذا فإن الرسالة الأهم اليوم هي أن نحافظ على مصر قوية، مستقرة، وقادرة على حماية مصالحها، وأن ندرك أن المرحلة لا تحتمل المزايدات ولا الانقسامات.
مصر التي عبرت أزمات كثيرة من قبل، قادرة بإذن الله على عبور أي عاصفة جديدة، طالما ظل شعبها واعيًا، ومؤسساتها متماسكة، وقرارها الوطني مستقلًا.
مصر أولًا.. وستظل مصر أولًا، مهما تغيرت الأحداث ومهما اشتدت العواصف.


