عن الخلود الرقمي، والموافقة بعد الموت، وحق الإنسان في الصمت
بقلم: د. شيماء أحمدين
اعتدنا أن نحتفظ بصور الراحلين ورسائلهم وأصواتهم، نستدعيها حين يشتد الحنين، ثم نعيدها إلى مكانها. لكن ماذا لو لم تعد الذكرى صامتة؟ ماذا لو أجابتك الصورة، وناداك الصوت باسمك، وكتبت لك نسخة رقمية من شخص رحل رسالة جديدة لم يكتبها قط؟
في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي محاكاة الأنماط اللغوية ونبرات الصوت وبعض التعبيرات والحركات بدرجات متفاوتة من الإقناع، لم يعد الموت يعني بالضرورة نهاية الحضور الرقمي.
أصبح ممكنًا بناء شخصية رقمية تستند إلى ما تركه الإنسان من تسجيلات ورسائل وصور ومحادثات، ثم تتفاعل مع الآخرين وكأن صاحبها ما زال حاضرًا.
لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل هذه الإمكانات التقنية هو سؤال أخلاقي وإنساني بامتياز:
هل يحق لنا أن نبقي أصوات الراحلين تتحدث، أم أن الصمت بعد الموت حق لا ينبغي أن نفترض التنازل عنه؟
١. من الأرشيف إلى الشخصية الرقمية
الفرق شاسع بين الاحتفاظ بصورة قديمة في ألبوم، وإنشاء كيان رقمي يتفاعل معك بلغة صاحب الصورة ونبرته وأسلوب تعبيره.
الأولى ذكرى تستدعيها بإرادتك. أما الثاني فهو حضور تفاعلي قد يبادرك بالحديث ويجيب عن أسئلة لم تُطرح على الإنسان في حياته.
تعتمد هذه التقنيات على آثار رقمية متعددة: مقاطع فيديو، وتسجيلات صوتية، ورسائل، ونصوص محادثات، ومنشورات، وصور، وربما بيانات أخرى تكشف عن أسلوب الإنسان وتفضيلاته وطريقته في التعبير.
تُستخدم هذه المواد لتدريب نموذج أو تكييفه، فينشئ محاكاة توليدية تبني استجابات محتملة استنادًا إلى الأنماط المستخرجة من آثار الشخص الرقمية.
وقد تبدو هذه المحاكاة، بدرجات متفاوتة من الإقناع، شبيهة بذلك الشخص. لكنها لا تعيد وعيه، ولا تستعيد ذاكرته الحية، ولا تضمن أن ما تقوله هو ما كان سيقوله فعلًا.
إنها لا تعيد الإنسان؛ بل تعيد بناء احتمال رقمي عنه.
٢. هل النسخة الرقمية امتداد للإنسان؟
هنا يبرز وهم عميق: الاعتقاد بأن النسخة الرقمية تمثل استمرارًا حقيقيًا لوجود الإنسان.
قد تجيب بالطريقة التي يُرجح أن يجيب بها، وتستخدم مفرداته، وتحاكي صوته، وربما تعيد بعض حركاته وتعبيراته. لكنها لا تملك إرادة مستقلة ولا وعيًا بذاتها، ولا تعيش تاريخ الشخص أو علاقاته أو إحساسه بالمسؤولية تجاه ما يقوله.
إنها مرآة تعكس صورة من الماضي، لكنها لا ترى من ينظر إليها.
ولا يكمن الخطر في المحاكاة التقنية وحدها، بل في نسيان الفرق الجوهري بين الإنسان ونسخته. فعندما تبدو المحاكاة مقنعة، قد نمنحها من الثقة والحنين والسلطة ما يحجب عنا حقيقة أننا نتفاعل مع نظام يولّد إجابات، لا مع الشخص الذي فقدناه.
وكلما ازدادت واقعية الصوت والصورة، أصبحت مسؤولية الإفصاح أكثر أهمية. يجب أن يعرف المستخدم بوضوح أنه يتعامل مع محاكاة، وألا يُصمم النظام بطريقة تستغل ضعفه العاطفي أو توهمه بأن وعي الراحل ما زال حاضرًا.
فالواقعية التقنية لا تمنح النسخة أصالة إنسانية.
٣. الموافقة التي لا يمكن استعادتها
تبدأ المعضلة الأخلاقية الأكبر بسؤال بسيط:
هل وافق هذا الإنسان على أن تبقى نسخة منه ناطقة بعد وفاته؟
قد يكون صاحب البيانات قد وافق في حياته على حفظ صوره أو عرض منشوراته، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه وافق على استخدامها لإنشاء شخصية تفاعلية تتكلم باسمه بعد رحيله.
فالموافقة على نشر صورة ليست موافقة على استنساخ الوجه. والموافقة على تخزين تسجيل صوتي ليست تفويضًا بإنشاء صوت اصطناعي ينتج عبارات جديدة. كما أن ترك رسائل ومحادثات لا يعني تلقائيًا السماح بتحويلها إلى نموذج يحاكي الشخصية.
وفي كثير من الحالات، لا يكون الإنسان قد فكّر في هذه الإمكانية أصلًا، ولذلك لم يعبّر عن قبول أو رفض.
فهل يحق للأسرة أن تقرر؟ وهل موافقتها كافية؟ وماذا لو اختلف الورثة؟ وماذا لو أراد بعضهم سماع النسخة بينما رأى آخرون أن وجودها ينتهك كرامة الراحل وحرمة ذكراه؟
من المنظور الأخلاقي، يبدو المبدأ الأكثر أمانًا هو عدم افتراض الموافقة في أمر يمس هوية الإنسان وصوته وتمثيله بعد الموت، ما لم يترك توجيهًا واضحًا يسمح بذلك.
أما قانونيًا، فلا توجد قاعدة عالمية موحدة. فاللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية لا تنطبق مباشرة على بيانات الأشخاص المتوفين؛ إذ تنص الحيثية 27 على ذلك، مع السماح للدول الأعضاء بوضع قواعد وطنية خاصة. ولذلك تختلف الحماية باختلاف الدولة، وقد تتداخل معها حقوق الصورة والصوت والسمعة والخصوصية الأسرية والملكية الفكرية وغيرها.
وعليه، فإن «حق الصمت بعد الموت» الذي يطرحه هذا المقال هو في الأساس مبدأ أخلاقي مقترح، وليس حقًا قانونيًا مستقلًا ومستقرًا في جميع الأنظمة.
٤. الحزن الذي تديره الخوارزمية
تتسع المعضلة هنا لتشمل بُعدًا نفسيًا شديد الحساسية.
بالنسبة إلى بعض الأشخاص، قد تمنح محادثة نسخة رقمية من الراحل شعورًا مؤقتًا بالعزاء، أو فرصة رمزية للتعبير عما لم يُقل، أو طريقة مختلفة لاستعادة الذكريات.
لكن الأثر النفسي لهذه التقنيات لا يزال غير محسوم.
قد يراها بعض المستخدمين وسيلة للتذكر أو الإغلاق العاطفي، بينما قد تزيد لدى آخرين التعلق أو الالتباس أو صعوبة استيعاب حقيقة الفقد. ويتوقف ذلك على عوامل كثيرة، منها استعداد الشخص، ومرحلة الحداد، وطريقة تصميم النظام، ووضوح كونه محاكاة، وحدود الاستخدام، ومدى قابلية المستخدم للتأثر النفسي.
ولا ينبغي اختزال الحزن في مسار واحد يفترض أن الإنسان يجب أن «يقطع علاقته» بالراحل كي يتعافى. فقد تكون الروابط المستمرة مع من فقدناهم جزءًا طبيعيًا من التكيف، من خلال الذكريات والدعاء والرسائل والصور والطقوس الاجتماعية.
لكن النسخة التفاعلية تختلف عن الذكرى؛ لأنها لا تستعيد كلامًا قيل بالفعل فقط، بل تنتج محتوى جديدًا يبدو صادرًا عن الراحل.
لهذا لا يجوز تقديم هذه الأدوات بوصفها علاجًا نفسيًا مثبتًا، كما لا يجوز افتراض أنها ضارة بصورة حتمية. فالدراسات المتاحة ما تزال ناشئة، وكثير منها يستكشف تصورات المستخدمين والمختصين ومخاوفهم، لا النتائج السريرية طويلة المدى.
ومن ثم، يجب أن تشمل الحوكمة النفسية لهذه التقنيات ضوابط خاصة، مثل وضوح الإفصاح، وحدود مدة الاستخدام وتكراره، وحماية الأطفال والفئات الهشة، وتجنب الاعتماد العاطفي المصطنع، وتوفير إشراف مهني عندما تُستخدم في سياق علاجي.
فالسؤال ليس فقط: هل تستطيع التقنية أن تواسينا؟
بل: هل تفعل ذلك دون أن تستغل حزننا؟
٥. من يملك الصوت والوجه والذاكرة؟
من الخطأ اختزال المسألة في سؤال واحد: من يملك الحساب؟
يظل المحتوى في الأصل خاضعًا لحقوق صاحبه أو أصحاب الحقوق المرتبطة به، بينما تمنح شروط الخدمة المنصة عادةً ترخيصًا محدد النطاق لاستخدامه وتشغيله وعرضه. وتختلف طبيعة هذا الترخيص واستمراره بعد الوفاة باختلاف المنصة والقانون المنطبق.
كما تختلف حقوق الصورة والصوت والخصوصية والدعاية والملكية الفكرية، ومدى استمرارها بعد الوفاة، بصورة جوهرية بين الأنظمة القانونية. ولذلك لا توجد إجابة عالمية واحدة عن الشخص المخوّل بإنشاء نسخة رقمية للمتوفى.
والأخلاق هنا أوسع من الملكية القانونية.
فالصوت ليس مجرد ملف، والوجه ليس مجرد صورة، والرسائل ليست مجرد مادة خام لتدريب نموذج. إنها أجزاء من هوية الإنسان وعلاقاته وسياقه وكرامته.
لذلك يجب ألا نسأل فقط: من يستطيع الوصول إلى البيانات؟
بل أيضًا:
* من يملك حق تحويلها إلى شخصية تفاعلية؟
* من يحدد حدود ما يجوز للنسخة قوله؟
* من يوقفها إذا أساءت تمثيل صاحبها؟
* من يحمي الراحل من الاستخدام التجاري أو السياسي أو الدعائي؟
* ومن يحمي أسرته من الاستغلال أو الأذى النفسي؟
إن الوصول إلى البيانات لا يساوي امتلاك الهوية، وإدارة الحساب لا تعني امتلاك الحق في إعادة إنشاء صاحبه.
٦. حين تتكلم النسخة بما لم يقله الأصل
ربما يكون الخطر الأكثر إزعاجًا هو أن تنتج النسخة الرقمية آراء ومواقف وذكريات لم ينطق بها صاحبها قط.
تخيل نسخة من مفكر راحل تُسأل عن قضية لم تكن موجودة في حياته، فتولد رأيًا استنادًا إلى أنماط لغوية واستنتاجات احتمالية.
أو نسخة من فنان تُستخدم للترويج لمنتج لم يعرفه، أو نسخة من قائد سياسي تعلن تأييد موقف لم يشهده، أو نسخة من أحد أفراد الأسرة تنتج اعترافًا أو اتهامًا لا يمكن التحقق منه.
هنا لا نتحدث عن استعادة الماضي، بل عن صناعة حاضر جديد ونسبته إلى شخص لم يعد قادرًا على الموافقة أو التصحيح أو الاعتراض.
وهذا يخلق ما يمكن تسميته بـ«الإرادة الرقمية المصطنعة»: محتوى جديد يرتدي صوت الإنسان وملامحه، لكنه لا يحمل إرادته.
ولا يكفي أن يكون المحتوى «مرجحًا» أو «متسقًا» مع ما قاله الشخص سابقًا؛ فالإنسان قد يغير رأيه، أو يرفض الإجابة، أو يصمت، أو يرى أن السياق الجديد يحتاج إلى موقف مختلف.
والصمت نفسه اختيار إنساني لا تستطيع النماذج التنبؤية تمثيله دائمًا.
لذلك يجب ألا يسمح للنسخ الرقمية بتقديم محتواها باعتباره كلامًا حقيقيًا للراحل. وينبغي أن يكون كل تفاعل موسومًا بوضوح بوصفه محاكاة توليدية، مع منع استخدامها في الإعلانات أو التأييدات السياسية أو القرارات القانونية والمالية إلا وفق ضوابط مشددة وموافقة سابقة واضحة حيث يسمح القانون.
فاستعادة الصوت لا تمنحنا الحق في اختراع الكلام.
٧. من الوصية التقليدية إلى خطة الإرث الرقمي
لا يمكن أن تأتي معالجة هذه الإشكاليات من التشريعات وحدها، بل تحتاج إلى ثقافة جديدة تجعل الإنسان واعيًا، في حياته، بمصير بصمته الرقمية بعد رحيله.
نحتاج إلى ما يمكن تسميته بـ«خطة أو توجيه للإرث الرقمي»، تُضمّن—حيث يسمح القانون—في وصية أو وثيقة لتخطيط التركة، وتتكامل مع الأدوات التي توفرها المنصات.
ويحدد الإنسان فيها بوضوح:
* ما الذي يجوز الاحتفاظ به من آثاره الرقمية؟
* ما الحسابات التي يريد حذفها أو تحويلها إلى حسابات تذكارية؟
* من يملك حق الوصول إلى بياناته؟
* هل يسمح باستخدام صوته أو صورته في محاكاة رقمية؟
* هل يوافق على إنشاء نسخة تفاعلية منه؟
* ما الأغراض المسموح بها، وما الاستخدامات المحظورة؟
* من يملك سلطة إيقاف النسخة أو حذفها؟
* هل يريد أن يُذكر من خلال أرشيف صامت، أم يسمح بحضور تفاعلي مضبوط، أم يفضّل أن تنتهي آثاره الرقمية؟
لكن هذه الخطة لا تكون بالضرورة ملزمة في جميع الدول أو لجميع المنصات؛ إذ يعتمد أثرها على قوانين التركات والعقود والخصوصية والملكية الفكرية والحقوق الشخصية في كل نظام.
وقد بدأت بعض المنصات بتوفير أدوات لإدارة الحسابات بعد الوفاة. تتيح Apple، مثلًا، تعيين «جهة اتصال للإرث» للوصول إلى بيانات محددة، بينما تتيح Meta اختيار جهة لإدارة الحساب التذكاري أو طلب حذفه.
لكن إدارة الحساب بعد الوفاة لا تساوي الموافقة على إنشاء نسخة بالذكاء الاصطناعي.
ولا ينبغي أن يُترك القرار لشروط منصات متباينة أو لخيارات افتراضية صُممت لإدارة الحسابات، لا لحسم الأسئلة الأخلاقية المعقدة المتعلقة بإعادة بناء شخصية تفاعلية باسم المتوفى.
إننا نحتاج إلى إطار يميز بوضوح بين:
حفظ الأرشيف، وإدارة الحساب، ومحاكاة الصوت، وإنشاء شخصية رقمية تفاعلية.
فهذه ليست درجات متطابقة من الفعل، ولا يجوز جمعها تحت موافقة عامة واحدة.
الخاتمة
قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجعل صوت الإنسان يستمر بعد رحيله، لكنه لا يستطيع أن يسأله بعد ذلك إن كان يريد الاستمرار.
وبين قدرتنا على محاكاة الحضور، وواجبنا في احترام الغياب، تظهر مسؤولية جديدة: ألا نحول الحنين إلى تفويض مفتوح، وألا نجعل الحب مبررًا لاستخدام هوية من نحب دون إذنه، وألا نسمح للتقنية بأن تقول باسم الراحل ما لم يختر هو أن يقوله.
فليس كل ما نستطيع إحياءه رقميًا يحق لنا إعادته إلى الكلام.
وربما يكون آخر حقوق الإنسان—وأبسطها وأعمقها—أن يحدد، وهو حي، ما الذي ينبغي أن يبقى منه، وما الذي يجب أن ينتهي معه.
أن يملك مصير صوته، حتى بعد أن يصمت.
مراجع مختارة
1. اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية—الحيثية 27.
2. Griefbots: A New Way of Communicating With the Dead?.
3. Perceived Opportunities and Risks of Deepfake Technology in Grief Treatment.
4. Exploring Public Perceptions of Artificial Intelligence in Bereavement Support.
5. Apple Digital Legacy.
6. Meta Legacy Contacts.
© 2026 Dr. Shaimaa Ahmaddeen. All rights reserved.



