كتبت سلمى أرباب
” عندما يتحول قناع الضحية إلى طوفان يستنزف المحيطين “
هناك سجونٌ لا نصنعها من أعتى القضبان، بل ننسج جدرانها بيدين أعمتهما الخشية من رؤية الحقيقة؛ سجونٌ يبنيها الإنسان حول روحه حين يُغلق عينيه تمامًا عن أفعاله، ويختار أن يركن إلى وهم أنه النقيّ الوحيد في عالمٍ مليءٍ بالجناة. في هذا المحبس الخفي، تحوّل هذه الشخصية كل محاولة للتواصل أو الفهم إلى ساحة حرب مفترضة، ترتدي فيها دروع الدفاع المستمر بسبب وبدون سبب، وتندفع للهجوم على كل من حولها قبل أن يمسّها خاطرُ نقدٍ أو ملامة. هي لا تكتفي بجلد الذات عبر الشكوى، بل تمتد لتُحاكم نوايا الآخرين وتُسقط عليهم أحكامًا مسبقة بالخذلان، فتغرق القريبين منها في دوامةٍ لا تنتهي من الجدالات الاستنزافية والأزمات المفتعلة. وفي زحمة هذا التأهب الدائم لحماية أنفسهم من أوهام الأذى، ينسون أن أيديهم هي التي أطلقت شرارة الجفاء، وأن هذا الدفاع المستميت ليس سوى الهاوية التي تبتلع كل جسرٍ حاول الآخرون مده نحوهم.
وهنا ينكشف التناقض الأشد قسوة في تركيب هذه الشخصية؛ فبينما تقف في الظاهر موضع الضحية المكسورة التي تستجدّي التعاطف وتندب حظها العاثر، تعيش في الباطن بمنطقٍ أنانيٍ حاد يختصره شعار “أنا ومن بعدي الطوفان”. إنها شخصية تبكي بدموع الضحية في الظاهر، بينما تسكب زيت الأنانية على حطب العلاقات في الباطن؛ فلا ترتوي من الشكوى، ولا تتورع عن إغراق الجميع إن مسّها خطر الحقيقة. هي لا تكتفي بالعمى عن أخطائها، بل ترى أن آلامها وحدها هي المشروعة، واحتياجاتها هي المحور الذي يجب أن تدور حوله مجرات الآخرين. وعندما يبلغ الاستنزاف مبلغه، ويبدأ المقربون في التراجع لحماية ما تبقى من سلامتهم النفسية، لا تتوقف هذه الشخصية لتتساءل عن حجم ما ألحقته بهم من إرهاق، بل تتمادى في طغيانها العاطفي؛ لتُغرق الكل في طوفان من الاتهامات والتخوين، مستكفيّةً بذاتها، ومستعدةً لدهس كل الروابط والجسور، شريطة ألا تُسقط عن وجهها قناع البراءة المزيف.
ولعل أخطر ما تمتلكه هذه الشخصية في جعبتها هو أن دموعها ليست وسيلة للتعبير عن الألم، بل هي سلاح للمناورة وسلطة خفية لإخضاع الآخرين؛ تلك الدموع التي تسكبها بغزارة كلما حوصرت بالحقيقة، دموع يظنها العابرون ندمًا أو انكسارًا صادقًا، بينما هي في واقع الأمر تشبه تمثيلاً دقيقاً ” لدموع التماسيح “؛ ليست سوى نضاحٍ زائف تفرزه العين لشدة حرارة الاندفاع الداخلي والدفاع عن الذات، لا عن حزنٍ أو مراجعة. إن هذا النزيف الدمعيّ الزائف يمارس نوعاً خبيثاً من الإرباك العاطفي، إذ يزرع في قلوب المحيطين بها شظايا من الشعور بالذنب وجلد الذات غير المستحق، ويحملهم على التشكيك في إنسانيتهم ونواياهم. فتراهم ينزفون ألمًا وجروحًا قد لا تداوى مع الزمن، مأخوذين بآلامٍ وهمية شَيّدتها تلك الدموع، ومكبّلين بخوفٍ دائم من أن يكونوا هم القساة الذين تسببوا في انهيار هذا الكائن “الرقيق”، في حين أنهم في الحقيقة ليسوا سوى ضحايا حقيقيين لدراما متقنة لا ترحم.
ومع تكرار هذا العرض المسرحي المرهق، يصل الجميع حتماً إلى نقطة الانكسار الحاسمة؛ النقطة التي يفلت فيها الجميع أيديهم، لا عن قسوةٍ أو رغبةٍ في الإيذاء، بل بفعل الإنهاك الفظيع الذي يأكل أرواحهم. يفلتون أيديهم ليتنفسوا، ليتوقفوا عن الدوران في مجرةٍ لا تتغذى إلا على طاقاتهم ونزيفهم العاطفي. لكن المفارقة الفاجعة تكمن في رد فعل هذه الشخصية؛ إذ تظل غارقةً في دهشةٍ عارمة ومظلوميةٍ مطلقة، تتساءل بنبرة الفاجعة: “كيف تخلوا عني؟”، مغمضةً عينيها تماماً عن تلك السلسلة الطويلة من الأفعال والابتزازات التي كانت هي بالذات من بذرها وسقاها حتى أثمرت هذا الجفاء.
غير أن هذه العزلة ليست النهاية، بل هي اللحظة التي تبدأ فيها بشائر الشفاء للمحيطين بها؛ فالاستفاقة لا تأتي بتدرج هادئ، بل تتشكل غالباً من رحم موقفٍ واحدٍ فاصل؛ يتداعى فيه المسرح دفعة واحدة، ويسقط القناع ليتجلى الألم المصنوع كمجرد حيلة كاذبة، والانهيار كمحاولة أخيرة للإخضاع. في هذه اللحظة الخاطفة، يُكشف الستار عن الحقيقة الصادمة: لم يكن المحيطون يوماً هم الجناة الذين يتوجب عليهم الاعتذار، بل كانوا طوال الوقت الضحايا الحقيقيين الذين حُوصروا داخل صرحٍ من الذنب الزائف.
إن الاستفاقة من الابتزاز العاطفي تشبه الخروج من كابوسٍ طويل؛ تبدأ بحماية ما تبقى من سلامة النفس، ورسم حدودٍ صارمة لا تسمح لدموع التماسيح بعبورها مجدداً. التخلص من هذا العبء يقتضي منا أن ندرك أن المحبة لا تعني الانتحار العاطفي، وأن حمايتنا لأنفسنا ليست أنانية، بل هي الحق الأوَّل الذي يدين به المرء لروحه كي يستعيد أنفاسه، ويكفّ عن أن يكون وقوداً لمأساةٍ لم يكتبها ولم يخترها.
إن العلاقات بين البشر مسألةٌ في غاية الخطورة، تقف على شعرةٍ فاصلة بين شخصٍ يستحق التضحية وآخر لا يستحق سوى التراجع. مواقفٌ كثيرة إن مررنا عليها مرور الكرام قد تكلفنا سلامنا، بل وحياتنا بأكملها، لذا وجب علينا التوقف الفاحص أمام ما نعيشه، لنفرق بوعيٍ بين ما يستحق أن نبذل لأجله وأرواحنا راضية، وبين ما يتوجب علينا أن ننفض أيدينا منه دون تردد.
ولكي لا يقع المرء في هذه الحبائل، عليه ألا يترك عجلة قيادة حياته في يد القلب وحده؛ فالقلب حين ينفرد بالقيادة، يفتح الأبواب على مصراعيها للابتزاز العاطفي، ويسمح للآخرين بانتهاك إنسانيته واستنزاف كرم مشاعره حتى آخر قطرة، دون أدنى التفاتٍ لما يعانيه من ألم، ودون أدنى تقديرٍ لما قدمه من تضحيات؛ فتراه يدور في دوامةٍ من العطاء الذي لن يُقابل من تلك الشخصيات الزائفة بغير الإهمال وجحود الامتنان.
إن القيادة الرشيدة للحياة تقتضي ” شراكةً حاسمة بين القلب والعقل” ، شريطة أن تكون الكلمة الأولى والعليا فيها للعقل؛ فهو الحارس الذي يحمي الروح من الغرق في دراما كاذبة لا تجني من ورائها سوى جلد الذات وإهدار العمر. إن التنازل باسم الحب ليس فضيلة حين يقتل إنسانيتك؛ فمن لا يقبل بك إلا وقوداً لمعاركه الوهمية، لا يستحق أن تمنحه حتى هامشاً من سلامك. وإذا ما مست الأمور سلامك النفسي، فلتسمح لنفسك بالتراجع إلى الوراء فوراً، ولتعلنها صريحةً مدوية: إن كان هناك من يرى العالم بمنطق “أنا ومن بعدي الطوفان”، فنحن أيضاً من حقنا أن نرى أن ” سلامنا النفسي أولاً… وعلى الدنيا بأسرها السلام” .



