بقلم: جودة عبد الصادق
في منطقة تموج بالأزمات، وتتسارع فيها الأحداث بصورة غير مسبوقة، تظل مصر أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية أمنها القومي، والحفاظ على مصالح شعبها، والتعامل مع الملفات الإقليمية بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة.
الأحداث المتلاحقة في المنطقة لم تعد مجرد أزمات منفصلة، وإنما أصبحت مترابطة بصورة تجعل أي تطور في دولة من دول الإقليم قادرًا على التأثير في أمن واستقرار دول أخرى. وفي وسط هذا المشهد المعقد، تأتي أهمية الموقف المصري الرسمي الذي ينطلق من قاعدة واضحة: حماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على استقرار المنطقة، ورفض اتساع دائرة الصراع.
مصر تعرف جيدًا أين تقف
الموقف المصري لا يحتاج إلى مزايدات أو شعارات؛ فمصر دولة كبيرة تعرف قيمة السلام، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن السلام الحقيقي لا يعني التفريط في الحقوق أو السماح بتهديد أمنها القومي.
ومن هنا تأتي أهمية التحركات المصرية في التعامل مع الأزمات الإقليمية، سواء من خلال الاتصالات السياسية، أو دعم المسارات الدبلوماسية، أو التأكيد المستمر على ضرورة احترام سيادة الدول، ووقف التصعيد، وحماية المدنيين، والعودة إلى الحلول السياسية التي تمنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب أوسع.
وهذه ليست سياسة ضعف، كما يحاول البعض تصويرها، وإنما هي سياسة دولة تدرك أن القوة الحقيقية ليست في إطلاق التصريحات النارية، وإنما في القدرة على حماية مصالحها وإدارة الأزمات بحسابات دقيقة.
أمن مصر خط أحمر
وسط كل ما يجري حولنا، يجب أن يظل هناك أمر لا يقبل النقاش: الأمن القومي المصري ليس مجالًا للمغامرة أو المزايدة.
مصر تدرك جيدًا حجم التحديات التي تحيط بها، من اضطرابات المنطقة إلى الأزمات على حدودها، ولذلك فإن الحفاظ على استقرار الدولة المصرية ومقدرات شعبها يظل أولوية لا يمكن أن تتقدم عليها أي حسابات أخرى.
وفي الوقت نفسه، فإن مصر لم تتخلَّ يومًا عن دورها العربي والإقليمي، بل تواصل التحرك من أجل وقف الحروب ومنع التهجير القسري وحماية حقوق الشعوب، انطلاقًا من مسؤوليتها التاريخية ومكانتها في المنطقة.
لا وقت للشائعات والمزايدات
الأزمات الكبرى تحتاج إلى الوعي، لا إلى الشائعات.
وفي اللحظات التي تتعقد فيها الأحداث، تظهر أصوات تحاول استغلال مخاوف المواطنين، أو تقدم روايات غير موثقة، أو تحول القضايا المصيرية إلى مادة للمزايدة السياسية والإعلامية.
وهنا يصبح واجبنا جميعًا أن نتحقق قبل أن نصدق، وأن نفكر قبل أن نشارك، وأن ندرك أن نشر معلومة غير صحيحة في وقت الأزمات قد يكون أخطر من مجرد خطأ عابر.
الدولة المصرية لديها مؤسساتها وأجهزتها القادرة على تقييم الموقف، والمواطن المصري من حقه أن يعرف الحقيقة كاملة من مصادرها الرسمية، لا من صفحات مجهولة أو حسابات تبحث عن المشاهدات.
مصر لا تبحث عن الحرب.. لكنها لا تخشى حماية حقوقها
هذه هي الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح.
مصر ليست دولة تسعى إلى الصدام، لكنها في الوقت ذاته ليست دولة تقبل أن يكون أمنها أو حدودها أو مصالحها الوطنية محل تهديد.
والتعامل مع الأزمات بالحكمة والدبلوماسية لا يعني التراجع، بل يعني أن مصر تستخدم أدواتها السياسية والدبلوماسية بما يخدم مصالحها ويحافظ على استقرارها.
وفي عالم تتغير فيه التحالفات وتتداخل المصالح، تصبح الدولة التي تعرف أهدافها وتتحرك وفق حساباتها الوطنية أكثر قدرة على الصمود أمام العواصف.
كلمة أخيرة
ما يحدث في المنطقة يجب أن يدفعنا إلى الاصطفاف خلف مصر الدولة، لا خلف الشائعات، وأن نختلف في الآراء كما نشاء، لكن دون أن نسمح للخلاف أن يتحول إلى هدم للثقة في مؤسسات الدولة أو تشكيك في كل خطوة وطنية.
مصر تحتاج في هذه المرحلة إلى الوعي، وإلى وحدة الصف، وإلى إعلام مسؤول، وإلى مواطن يدرك أن الحفاظ على الوطن ليس مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما مسؤولية كل مصري.
وفي زمن العواصف، تبقى مصر بحاجة إلى عقلٍ هادئ، وموقفٍ ثابت، وإرادةٍ وطنية تعرف جيدًا أن أمن الوطن واستقراره فوق كل اعتبار.



