في السياسة، ليست كل الزيارات التي لا تتصدر العناوين قليلة الأهمية، فهناك لقاءات تُصنع فيها التحولات الكبرى بعيدًا عن صخب الإعلام. وهذا ما ينطبق على زيارة رئيس جمهورية الجبل الأسود “مونتينيجرو” إلى مصر، والتي ربما مرّت على كثيرين دون أن يدركوا أبعادها الاستراتيجية.
للوهلة الأولى قد يتساءل البعض: ما أهمية دولة لا يتجاوز عدد سكانها 600 ألف نسمة، ومساحتها نحو 13 ألف كيلومتر مربع؟
الإجابة تكمن في الجغرافيا والسياسة، وليس في عدد السكان.
فالجبل الأسود تقع في قلب منطقة البلقان، وتطل على البحر الأدرياتيكي، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتقترب من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. أي أنها تمثل بوابة مهمة لأسواق جنوب وشرق أوروبا، وتمتلك موقعًا يمنحها قيمة استراتيجية تتجاوز كثيرًا حجمها الجغرافي.
الحدث الأهم في الزيارة لم يكن البروتوكول أو الكلمات الدبلوماسية، بل توقيع مذكرة تفاهم بين الهيئة العامة لميناء الإسكندرية وهيئة موانئ مونتينيجرو، وهي خطوة قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طياتها مشروعًا استراتيجيًا يمكن أن يعيد رسم جزء من خريطة النقل البحري في المنطقة.
فإذا تُرجمت هذه المذكرة إلى خط ملاحي مباشر بين ميناء الإسكندرية وموانئ مونتينيجرو، فإن مصر ستكون قد فتحت ممرًا بحريًا جديدًا نحو البلقان وجنوب أوروبا، بما يعزز حركة التجارة، ويزيد من فرص الترانزيت، ويمنح الصادرات المصرية مسارات أسرع وأكثر كفاءة للوصول إلى الأسواق الأوروبية.
وهنا تظهر قيمة ما قامت به الدولة المصرية خلال السنوات الماضية من تطوير شامل للموانئ البحرية وشبكات الطرق والمناطق اللوجستية. فهذه المشروعات لم تُنشأ لمجرد تحديث البنية التحتية، بل لتكون أدوات اقتصادية قادرة على جذب حركة التجارة العالمية وتحويل الموقع الجغرافي لمصر إلى مصدر دخل مستدام.
الاقتصاد الحديث لا يعتمد فقط على ما تنتجه الدول، بل أيضًا على قدرتها على إدارة حركة التجارة العالمية. وكل سفينة تمر، وكل حاوية تُفرغ أو تُعاد شحنها، تمثل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، حتى وإن لم تكن البضائع مصرية المنشأ.
ولهذا فإن توسيع شبكة العلاقات البحرية مع الدول المطلة على البحر الأدرياتيكي والبلقان يمثل استثمارًا في المستقبل، ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للنقل واللوجستيات، مستفيدة من موقعها الفريد الذي يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر قناة السويس.
ما جرى اليوم يعكس أيضًا نهجًا مختلفًا في إدارة السياسة الخارجية، يقوم على تنويع الشراكات مع الدول التي تمتلك قيمة استراتيجية، مهما كان حجمها، وبناء شبكة مصالح متبادلة تخدم الاقتصاد الوطني وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والتجارة.
ومع اقتراب العالم من مرحلة اقتصادية جديدة بعد عام 2030، تتسابق الدول لتأمين مواقعها على خريطة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية. والدول التي ستنجح في تلك المنافسة ليست بالضرورة الأكبر مساحة أو عددًا، وإنما الأكثر استعدادًا، والأفضل بنيةً تحتية، والأوسع شبكةً من العلاقات الاستراتيجية.
لذلك، فإن زيارة رئيس الجبل الأسود إلى القاهرة لم تكن مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل خطوة محسوبة ضمن رؤية أوسع تستهدف ترسيخ مكانة مصر كمحور رئيسي للتجارة والنقل البحري بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وهي رؤية قد تبدو هادئة اليوم، لكنها قد تُترجم خلال السنوات المقبلة إلى مكاسب اقتصادية واستراتيجية كبيرة.
