أ.د. محمود السعيد. . نائب رئيس جامعة القاهرة
تحدثنا في المقالات السابقة عن أهمية تطوير منظومة البحث العلمي من أجل تعزيز اقتصاد المعرفة، وأكدنا أن البداية الحقيقية للتطوير تكمن في رفع كفاءة برامج الدراسات العليا، لأنها الوسيلة الأهم القادرة على إعداد الباحث الذي يمتلك مهارات التفكير النقدي، وإنتاج المعرفة، وتقديم حلول علمية للمشكلات التي يواجهها المجتمع، ولا يجب اعتبارها وسيلة للحصول على درجة علمية والترقي الوظيفي وحسب. فعند نجاح منظومة الدراسات العليا في تزويد الباحثين بالمهارات البحثية والمنهجية اللازمة، والقدرة على اختيار موضوعات ترتبط باحتياجات المجتمع الأساسية، سيكون وقتها لدينا منظومة بحثية قادرة على التأثير في الاقتصاد والمجتمع.
لكن الحديث عن تطوير قدرات الباحثين، وخاصة الشباب منهم، يجب أن يشمل مواجهة التحديات التي تواجههم لإنجاز البحوث العلمية. فتطوير القدرات البحثية والعلمية وحدها لا يمكن أن تحقق الغرض منها إذا كانت الإمكانات اللازمة لإجراء البحث أو نشره أو تحويل نتائجه إلى تطبيقات عملية ليست بالصورة المطلوبة. ومن هذا المنطلق نحدد في هذا المقال والمقالات القادمة أهم هذه التحديات، وكيفية معالجتها.
من أهم التحديات التي تواجه شباب الباحثين هو محدودية التمويل اللازم لإجراء البحوث، وخاصة في المجالات البحثية التي يتطلب إنجاز البحث العلمي فيها وجود أجهزة معملية متقدمة أو مواد خام أو تجهيزات مرتفعة التكلفة أو جمع بيانات ميدانية من عينة كبيرة من المواطنين. فالكثير من الباحثين يستطيعون تقديم أفكار بحثية واعدة، ولكن تنفيذها يتطلب استخدام أجهزة قد لا تكون متاحة في أقسامهم العلمية ويضطرون إلى الاستعانة بمعامل خارجية بتكاليف قد تفوق قدراتهم المالية. أو قد تتطلب تصميم استمارة استبيان وتشكيل فرق بحثية لجمع البيانات الميدانية من عدد كبير من المواطنين قد يصل إلى الآلاف. وقد يؤدي هذا التحدي في الكثير من الأحيان إلى قيام الباحث بتعديل موضوع البحث لتجنب دفع مبالغ كبيرة لتنفيذ البحث، وربما يتخلى عن الموضوع بالكامل ويختار موضوع آخر يتناسب مع قدراته المالية، وهو ما يمثل خسارة للباحث وللمنظومة البحثية على حد سواء.
وقد قامت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مؤخرًا بمحاولات لمواجهة هذا التحدي، حيث أنشأ المجلس الأعلى للجامعات البنك القومي للمعامل والأجهزة العلمية، وهو منصة إلكترونية تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الإمكانات البحثية المتوافرة في الجامعات المصرية. ويوفر البنك للباحثين إمكانية التعرف على الأجهزة العلمية الموجودة في مختلف الجامعات، ومعرفة إمكاناتها الفنية، وحجز استخدامها إلكترونيًا، والاطلاع على تكاليف استخدامها. وقد ساهم هذا الإجراء الهام في تعزيز مبدأ المشاركة في الموارد البحثية داخل الجامعات، ورفع كفاءة استغلال الأجهزة المعملية الموجودة فيها، وتقليل الحاجة إلى تكرار شراء أجهزة باهظة الثمن قد تكون موجودة في جامعات أخرى أو حتى في نفس الجامعة ولا يعلم الباحثون ذلك. وبالتوازي أيضًا تقوم بعض المؤسسات الحكومية المعنية بتمويل البحث العلمي مثل هيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار وأكاديمية البحث العلمي بتوفير دعم مادي كبير لعدد من الباحثين في مرحلتي الماجستير والدكتوراة.
مثلت هذه الإجراءات جزءًا من حل المشكلة، ولكن ما زالت تكلفة إجراء التجارب والاختبارات والمواد البحثية في مجال العلوم الأساسية وجمع البيانات الميدانية في العلوم الاجتماعية والإنسانية تمثل عبئًا كبيرًا على كثير من الباحثين، وهو ما يتطلب البحث عن آليات تمويل إضافية. وأحد أهم الآليات هو الشراكة مع القطاع الخاص، فهو القطاع الذي يعتبر أكبر المستفيدين من نتائج البحث العلمي. وقد تتضمن هذه الشراكة الاعتماد على شباب الباحثين في تنفيذ مشروعات بحثية وتكون مرتبطة بموضوعاتهم البحثية، أو إنشاء صناديق لدعم الباحثين الشباب، أو دعم الأبحاث ذات المردود الاقتصادي والصناعي، وهو ما يحقق مبدأ التكامل بين الجامعة والقطاع الخاص.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه الباحثين على التمويل فقط، فهناك تحديات أخرى تتعلق بارتفاع تكاليف النشر الدولي في مجلات علمية مفهرسة، وتحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات أو سياسات عامة، الحاجة إلى مزيد من التدريب على الكتابة الأكاديمية، والإشراف العلمي غير الفعال في كثير من الجامعات، وهي قضايا لا تقل أهمية، وسنتناولها بمزيد من التفصيل في المقالات القادمة.
ونؤكد في ختام هذا المقال أن الاستثمار الحقيقي في البحث العلمي يبدأ بمعالجة التحديات التي تواجه الباحثين، وخصوصا الشباب، وذلك من خلال العمل على توفير بيئة داعمة وممكنة، فكل جهد يُبذل لحل العقبات التي تواجه الباحثين الشباب هو استثمار في مستقبل الوطن، وتعزيزًا للبحث العلمي الذي يعتبر المحرك الأساسي للتنمية المستدامة، وأساس اقتصاد المعرفة.
