كتبت سلمى أرباب
فوضى دافئة..
في غمرة السعي اليومي وراء “الراحة” والبحث عن غدٍ أفضل، يباغتنا سؤال بسيط ليعيد ترتيب أولوياتنا الإنسانية. هذا ما حدث عندما طرحت المعالجة النفسية ومدربة العلاقات، ديبورا كريفالين، وابنتها سامانثا، سؤالاً عفوياً على الجدة “روث كينلر” البالغة من العمر 90 عاماً: “متى كانت أسعد لحظات حياتك؟”.
وجاء رد الجدة التسعينية سريعاً وحاسماً، ليصدم التوقعات التقليدية عن السعادة والهدوء؛ إذ قالت:
“ربما عندما كانت حياتي في أشد حالاتها انشغالا وضيقاً”.
تذكرت الجدة تلك السنوات التي كان زوجها يدرس فيها الطب، بينما تكافح هي بمفردها لتربية ثلاثة أطفال في أعمار مختلفة، بموارد مالية محدودة للغاية. ورغم أن كل تفاصيل حياتها آنذاك كانت شاقة ومعقدة، إلا أنها تؤكد اليوم أنها كانت المرحلة الأكثر دفئاً وفيضاً بالفرح في حياتها.
مفارقة الأمومة: شقاء يومي وعاطفة ممتدة
هذا الشعور لم يكن حكراً على الجدة؛ إذ تشاركها ابنتها “ديبورا” (الأم لثلاثة أطفال أيضاً) ذات المشاعر، مؤكدة أن سنوات التربية والعمل الشاق مع قلة الدعم كانت الأكثر قيمة وإشباعاً لروحها.
وهنا تبرز في علم النفس ما يُعرف بـ “مفارقة الأبوة والأمومة” (The Parenting Paradox)؛ حيث تشير الدراسات السلوكية إلى أن المهام اليومية لتربية الأطفال (من تنظيف وفوضى وسهر وقلة نوم) قد تسجل درجات منخفضة في مؤشر المتعة اللحظية، إلا أنها تسجل أعلى الدرجات على الإطلاق في مؤشر “المعنى والقيمة” والرضا طويل الأمد عن الحياة.
تفاعل واسع.. هل السعادة في الفوضى؟
أثار هذا الحوار العائلي تفاعلاً واسع النطاق على منصات التواصل الاجتماعي، مفجّراً نقاشاً عميقاً حول مفهوم السعادة. واستعاد الآلاف تجاربهم الشخصية؛ إذ كتب أحد المتابعين واصفاً لحظة عودته لمنزل فوضوي يضج بصراخ الأطفال: “تساءلت فجأة.. ماذا لو كانت هذه أجمل سنوات حياتي، وكل ما أراه الآن هو مجرد فوضى أحاول التخلص منها؟”.
وعلق آخر مؤكداً: “أصعب فترات حياتي كانت الأكثر نقاءً وعمقاً، كانت مليئة بالصعوبات، لكنها كانت تضج بالحب الحقيقي”.
وفي المقابل، حظي الطرح بآراء متباينة؛ حيث أشار فريق آخر إلى أن حصر السعادة في “تربية الأطفال” قد يكون مجحفاً، مؤكدين أن السعادة مفهوم مرن، وأن الكثير ممن لم ينجبوا أطفالاً استطاعوا بناء حياة غنية بالمعنى و الإنجاز والصداقات العميقة بطرق أخرى.
أين نبحث عن السعادة؟ (رأي العلم)
تتفق الأبحاث النفسية الحديثة على أن الإنسان غالباً ما يبحث عن السعادة في “المكان الخطأ” – كالسعي المستمر خلف إنجازات مستقبلية أو ترقب لحظة استقرار قد لا تأتي بالصورة المأمولة. وتؤكد الدراسات أن الامتنان والعيش في اللحظة الحالية (Mindfulness) هما المفتاحان الحقيقيان للسعادة المستدامة.
إن السعادة لا ترتبط بجدول أعمال فارغ أو حساب بنكي متخم، بل هي القدرة على تلمس الجمال في التفاصيل الصغيرة اليومية:
في ضحكات الأطفال وسط فوضى المنزل.
في رعاية الصداقات الصادقة.
في ممارسة هواية بسيطة أو قضاء وقت هادئ في أحضان الطبيعة.
في النهاية، يبدو أن حكمة التسعين عاماً تخبرنا بشيء واحد: لا تنتظروا أن تهدأ العاصفة لكي تسعدوا.. بل تعلموا كيف ترقصون تحت المطر.


