بقلم د. شيماء أحمدين
نقضي سنوات طويلة ونحن نتعلم فضيلة الإحسان إلى الآخرين، لكن قليلًا ما يعلمنا أحد أن للنفس نصيبًا من الإحسان أيضًا
.
نؤثر غيرنا على أنفسنا، ونؤجل راحتنا من أجلهم، ونمنح من وقتنا ومالنا وصحتنا ومشاعرنا، ونقول في داخلنا إن المعروف لا يضيع.
وهو حقًا لا يضيع.
لكن الخطأ أن نفترض أن الإنسان الذي صنعت معه المعروف هو بالضرورة المكان الذي سيعود منه إليك المعروف.
قد تضحي لإنسان سنوات، ثم يأتي يوم تحتاج فيه إليه فلا تجده.
وقد تؤثر شخصًا على نفسك مرارًا، ثم تتغير المواقع، ويصبح قادرًا على أن يرد لك بعض ما صنعت، فيختار نفسه دون تردد.
ليس لأن معروفك لم تكن له قيمة، بل لأن:
المعروف يكشف أخلاقك حين تفعله، والوفاء يكشف أخلاق الآخر حين يصبح قادرًا عليه.
⸻ لا تؤجل إحسانك إلى نفسك
وهنا تأتي الفكرة التي أراها قلب هذا الحديث:
لا تجعل إحسانك إلى نفسك مؤجلًا إلى اليوم الذي يُحسن فيه إليك الآخرون؛ فقد يأتي ذلك اليوم متأخرًا… وقد لا يأتي أصلًا.
أكرم نفسك وأنت قادر.
استرح قبل أن يجبرك التعب على الراحة.
امنح نفسك نصيبًا من وقتك وراحتك واهتمامك، بدل أن تجعل نصيبك دائمًا آخر القائمة.
قل «لا» حين يصبح عطاؤك استنزافًا.
ولا تجعل التضحية المستمرة شهادة على محبتك؛ فبعض التضحيات إذا تجاوزت حدها لم تعد فضيلة، بل أصبحت ظلمًا هادئًا للنفس.
كم من إنسان أعطى الجميع أجمل سنواته، ثم اكتشف متأخرًا أنه لم يترك لنفسه منها إلا الفتات.
وكم من شخص كان كريمًا جدًا مع الآخرين، لكنه شديد القسوة على نفسه؛ يسامحهم على تقصيرهم، ويحاسب نفسه على تعبها، ويجد لهم ألف عذر، ثم لا يجد لنفسه عذرًا واحدًا حين تقول: لقد تعبت.
⸻ اصنع المعروف… ثم حرره
ومع ذلك، لا يعني هذا أن نتوقف عن المعروف.
بل العكس.
اصنع المعروف من أجل المعروف.
افعله لأنه يشبهك.
ولأنه يعبّر عن قيمك.
ولأنه الشيء الذي تريد أن تلقى الله به.
لا تجعله عقدًا غير مكتوب يلزم الآخرين بأن يردوه يومًا.
فالمشكلة ليست في أن نتمنى الوفاء؛ فالوفاء جميل، والامتنان من شيم النفوس الكريمة.
لكن المشكلة أن نجعل سلامنا النفسي مرهونًا به.
أن نظل نعدّ ما قدمناه، وننتظر متى يعود، ومن سيرده، وكيف سيكافئنا الآخرون عليه.
اصنع المعروف، ثم حرره من انتظار المقابل.
فالخير الذي يحتاج إلى مكافأة حتى تحتفظ بقيمته لم يعد خيرًا خالصًا، بل أصبح صفقة مؤجلة.
⸻ قد يمتلئ الحساب… وتظل النفس فقيرة
وهنا أتوقف عند معنى آخر للغنى والفقر.
جميعنا فقراء إلى الله، لكن الفقر ليس دائمًا في الجيب.
قد يملك الإنسان الملايين، وتظل نفسه فقيرة إلى الوفاء، فقيرة إلى المروءة، فقيرة إلى الامتنان.
وقد ينام آخر وهو لا يملك إلا ديونه، لكن نفسه غنية؛ يحفظ الجميل، ويذكر من وقف معه، وإذا عجز عن رد المعروف ردّه دعاءً، ووفاءً، وكلمة طيبة لا ينساها صاحبها.
فالغنى الحقيقي ليس فيما تملك، بل فيما لا تحتاج معه أن تجحد فضلًا، أو تنكر جميلًا، أو تتكبر عن كلمة وفاء.
قد يمتلئ الحساب وتظل النفس فقيرة، وقد تخلو اليد ويبقى صاحبها غنيًا بالمروءة.
فالمال يستطيع أن يجعل الإنسان قادرًا على العطاء، لكنه لا يستطيع وحده أن يجعله كريم النفس.
والفقر قد يمنع الإنسان من رد الجميل بالمال، لكنه لا يمنعه من حفظه في القلب.
⸻ لا تبقَ سائلًا عند أبواب من أحسنت إليهم
ربما تكون إحدى أكثر صور الاستنزاف إيلامًا أن تقضي سنوات تعطي، ثم تقضي سنوات أخرى تنتظر ممن أعطيتهم أن يتذكروا.
تنتظر السؤال.
والزيارة.
والوقوف إلى جوارك.
ورد الجميل.
وقد يأتي بعض ذلك.
وقد لا يأتي.
لكن لا تجعل بقية عمرك معلقة على باب الوفاء.
فمن المؤلم أن تحسن إلى الناس، لكن الأكثر إيلامًا أن تتحول بعد ذلك إلى سائل عاطفي عند أبواب من أحسنت إليهم، تنتظر منهم شيئًا يعيد إليك الإحساس بقيمة ما فعلت.
قيمتك لم تبدأ باعترافهم، ولذلك لا ينبغي أن تنتهي بجحودهم.
ما فعلته كان شاهدًا عليك يوم فعلته.
وما يفعلونه بعد ذلك شاهد عليهم.
⸻ وأخيرًا…
أحسن إلى الناس، ولكن لا تنسَ نفسك بينهم.
أعطِ، ولكن لا تعطِ حتى تفرغ.
ضحِّ حين تستحق التضحية، ولكن لا تجعل حياتك كلها قربانًا ينتظر أن يتذكره أحد.
سامح، لكن لا تجعل التسامح تصريحًا دائمًا للآخرين باستنزافك.
قف مع من تحب، لكن لا تهدم نفسك حتى تبني الجميع.
وإذا صنعت معروفًا، فأطلقه من يدك.
لا تربطه برقبة من أحسنت إليه، ولا تربط قلبك بانتظار عودته.
فمن أحسنت إليه قد يرد الجميل.
وقد ينساه.
وقد ينكره.
أما إحسانك، فقد أصبح جزءًا منك منذ اللحظة التي فعلته فيها.
اصنع المعروف لله، وأحسن إلى نفسك أيضًا؛ فلا أحد أولى منك بأن يناله شيء من ذلك الخير الذي وزعته طويلًا على الجميع.
ولا تنتظر حتى يرد الآخرون إليك بعض ما قدمت لهم كي تبدأ في إكرام نفسك.
فقد يردون…
وقد لا يفعلون.
لكن أنت، لا تجعل نفسك آخر من يصل إليه معروفك.



