جودة عبد الصادق
لم تكن الجريمة مجرد خلاف زوجي انتهى بمأساة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الوقائع غرابة التي شهدتها منطقة إمبابة؛ جريمة ظل سرها مختبئًا داخل شقة هادئة، بينما كانت رائحة الموت هي الدليل الذي قاد الأهالي ورجال الشرطة إلى الحقيقة.
قبل نحو 11 عامًا، استيقظ سكان شارع نصر الإسلام بمنطقة أرض الجمعية في إمبابة على أمر غير مألوف.. رائحة كريهة تتصاعد من داخل إحدى الشقق. في البداية لم يتخيل أحد أن مصدر الرائحة جثة إنسان، لكن مع استمرارها، أبلغ الأهالي الشرطة، لتبدأ لحظات الكشف عن واحدة من أغرب الجرائم.
انتقل رجال المباحث إلى الشقة، وبمجرد فتحها كانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد: جثة مهندس مدفونة أسفل سرير غرفة النوم، وقد غُطيت بكتل من الأسمنت والجبس في محاولة لإخفائها وطمس معالمها.
كان الضحية، وفق ما ورد في التحقيقات وشهادة رئيس مباحث إمبابة أمام المحكمة، مهندسًا يبلغ من العمر 30 عامًا، يدعى عمرو أمين.
خيط صغير قاد إلى الزوجة
بدأ فريق البحث الجنائي في فك ألغاز الواقعة، وسرعان ما اتجهت الشبهات إلى زوجة المجني عليه، دينا محمد، البالغة من العمر 38 عامًا وقت وقوع الحادث.
وبحسب التحقيقات، اعترفت الزوجة بقتل زوجها، وأقرت بأنها استخدمت سكينًا في الواقعة، ثم فكرت في طريقة لإخفاء الجثة، فاختارت أن تدفنها أسفل سرير غرفة النوم، وتغطيها بالأسمنت والجبس حتى لا تنكشف الجريمة.
لكنها، بحسب أقوالها، لم تكن ترى نفسها قاتلة بالمعنى الذي نسب إليها؛ فقد دفعت أمام جهات التحقيق والمحكمة بأنها كانت تتعرض للضرب المستمر من زوجها، وأن الواقعة جاءت في أعقاب خلاف حاد بينهما.
رواية الزوجة أمام المحكمة
أمام المحكمة، أنكرت المتهمة ارتكاب جريمة القتل العمد، وتمسكت بأنها كانت في حالة دفاع شرعي عن نفسها.
وقالت في روايتها إن زوجها حاول طعنها بسكين بعد أن اتهمها بالخيانة، فتمكنت من انتزاع السكين من يده وطعنته في صدره، ليسقط قتيلًا.
لكن السؤال الأصعب ظل قائمًا: إذا كانت الواقعة دفاعًا عن النفس، فلماذا أخفت الجثة؟ ولماذا دفنتها أسفل السرير وغطتها بالأسمنت والجبس؟
وعندما واجهتها المحكمة بهذا السؤال، قالت إنها أخفت الجثة خوفًا من أهل زوجها، وخشية أن يفتكوا بها بعد اكتشاف ما حدث.
الطبيب الشرعي يحسم جانبًا من الحقيقة
وخلال نظر القضية، أدلى الطبيب الشرعي بشهادته أمام المحكمة، موضحًا أن سبب وفاة المجني عليه كان طعنة نافذة بالقلب من مسافة قريبة، وأن الأداة المستخدمة في الجريمة كانت سكين مطبخ.
أما رجال المباحث، فقد أكدوا أن البلاغ الذي بدأ منه كشف الجريمة جاء من الأهالي بعد انبعاث الرائحة الكريهة من الشقة، وأن التحريات قادت إلى الزوجة، التي تمكنت الشرطة من ضبطها، وبحسب ما ورد في القضية، اعترفت بارتكاب الواقعة بسبب الخلافات الزوجية.
المحكمة تقول كلمتها
أمرت النيابة بإحالة المتهمة إلى محكمة الجنايات، التي انتهت إلى معاقبتها بالسجن المؤبد.
وأكدت المحكمة في حيثيات حكمها أنها أخذت المتهمة بأقصى قدر من الشدة التي يتيحها القانون، باعتبار أن الواقعة تمثل جريمة بالغة الخطورة في حق زوجها.
وهكذا، لم تستطع الأسمنت والجبس ولا المكان المختبئ أسفل السرير أن تطمس الحقيقة إلى الأبد.
فبعد مرور 11 عامًا، ما زالت هذه الجريمة تحمل سؤالًا واحدًا يثير الدهشة: كيف يمكن لجريمة أن تختبئ داخل غرفة نوم، بينما تكون رائحة الموت هي أول من يكشفها؟


