كتب: جودة عبد الصادق
أصدرت محكمة الجنايات في دمشق أحكامًا غيابية بالإعدام بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، وابن خاله عاطف نجيب، بعد إدانتهم في قضايا تتعلق بالقتل والتعذيب وانتهاكات قالت المحكمة إنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فيما قررت السلطات السورية ملاحقة بشار وماهر الأسد دوليًا.
ويطرح الحكم عددًا من التساؤلات القانونية المهمة، أبرزها: ما القيمة القانونية للحكم الغيابي؟ وهل يمكن تنفيذ أحكام الإعدام بحق أشخاص موجودين خارج الأراضي السورية؟ وما المقصود بالملاحقة الدولية؟ وهل يمكن أن يؤدي التعاون مع الإنتربول إلى توقيف المحكوم عليهم وتسليمهم إلى سوريا؟
حكم وطني وليس دوليًا
الحكم الصادر عن محكمة الجنايات في دمشق هو حكم صادر عن القضاء السوري، وبالتالي فهو حكم وطني وليس حكمًا صادرًا عن محكمة دولية، وتترتب آثاره القانونية داخل سوريا وفقًا للقوانين والإجراءات القضائية المعمول بها.
وتزداد أهمية الحكم في ظل وجود بشار الأسد خارج الأراضي السورية، حيث تشير المعلومات الواردة في التقرير إلى وجوده في روسيا، وهو ما يجعل تنفيذ الحكم أو ملاحقة المحكوم عليهم خارج الحدود مرتبطًا بإجراءات التعاون القضائي الدولي وموقف الدول التي يوجدون على أراضيها.
ماذا يعني الحكم الغيابي؟
الحكم الغيابي لا يعني بالضرورة أن المحاكمة فقدت قيمتها القانونية، إذ تسمح بعض النظم القانونية بإجراء محاكمات في غياب المتهم، مع ضرورة توفير الضمانات المتعلقة بحقوق الدفاع والإخطار بالتهم ومواعيد الجلسات، وفقًا للقواعد والإجراءات المعمول بها.
وفي حال القبض على المحكوم عليه أو مثوله أمام السلطات السورية، يمكن أن تثار مسائل قانونية تتعلق بحقوقه في الطعن أو مراجعة الحكم أو إعادة المحاكمة، بحسب القانون السوري والإجراءات التي اتبعتها المحكمة.
الملاحقة الدولية.. ماذا تعني؟
الملاحقة الدولية لا تعني أن القبض على المطلوب سيتم بصورة تلقائية، وإنما تشير إلى إمكانية انتقال السلطات السورية إلى مرحلة التعاون القضائي والأمني مع الدول الأخرى، بهدف تحديد أماكن وجود المحكوم عليهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.
ومن بين الأدوات التي يمكن اللجوء إليها طلب إصدار نشرة حمراء عبر الإنتربول، إذا استوفى الطلب الشروط والقواعد المنظمة لذلك.
وتجدر الإشارة إلى أن النشرة الحمراء ليست مذكرة توقيف دولية، كما أن الإنتربول لا يملك سلطة إجبار الدول على توقيف أي شخص؛ إذ يظل قرار التوقيف خاضعًا للقوانين الوطنية للدولة التي يوجد المطلوب على أراضيها.
روسيا.. الاختبار الأصعب
تكتسب القضية أهمية خاصة فيما يتعلق ببشار الأسد، في ظل وجوده في روسيا، حيث يتوقف أي تحرك لتسليمه على الإجراءات القانونية والاتفاقيات المنظمة للتعاون القضائي بين موسكو ودمشق.
ومن حيث المبدأ، يمكن للسلطات السورية تقديم طلب رسمي إلى روسيا لتسليم المحكوم عليهم، إلا أن الحكم الصادر عن القضاء السوري لا يعني تلقائيًا إلزام الجانب الروسي بتسليمهم.
وتقوم الدولة المطلوب منها التسليم بدراسة الطلب وفق قوانينها الوطنية والاتفاقيات الموقعة، مع بحث عدد من الاعتبارات القانونية، من بينها طبيعة الجرائم، وسلامة الإجراءات القضائية، وحقوق المتهمين، والعقوبة المقررة.
عقوبة الإعدام تمثل عقبة قانونية
وتبرز عقوبة الإعدام باعتبارها واحدة من أبرز العقبات أمام طلبات التسليم، خصوصًا في الدول التي ألغت هذه العقوبة أو تضع قيودًا على تسليم الأشخاص إلى دول قد يواجهون فيها خطر تنفيذها.
وفي مثل هذه الحالات، قد تطلب الدولة المطلوب منها التسليم ضمانات قانونية بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام، وهو ما قد يجعل مسار التسليم أكثر تعقيدًا ويحتاج إلى مفاوضات وإجراءات قضائية ودبلوماسية متعددة.
حكم تاريخي.. ومسار طويل أمام القضاء
ويمثل الحكم الصادر في دمشق بداية مسار قانوني وسياسي معقد، وليس نهايته؛ إذ إن الانتقال من صدور الحكم إلى تنفيذه بحق أشخاص موجودين خارج سوريا يحتاج إلى استكمال الإجراءات القضائية، ثم التحرك عبر قنوات التعاون الدولي، وربما طلبات التوقيف المؤقت والتعميم الدولي وطلبات التسليم الرسمية.
وبالتالي، فإن الحكم يكتسب أهمية كبيرة داخل سوريا، لكنه يواجه في الخارج مجموعة من العقبات القانونية والسياسية التي قد تجعل تنفيذ ملاحقة بشار وماهر الأسد عملية طويلة ومعقدة.
وتبقى القضية واحدة من أبرز الملفات التي ستختبر قدرة القضاء السوري على ملاحقة مسؤولين سابقين خارج الحدود، ومدى فاعلية آليات التعاون القضائي الدولي في القضايا المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.


