تواجه المحكمة الجنائية الدولية موجة متزايدة من الانتقادات على الساحة الدولية، في ظل تصاعد الجدل بشأن دورها وآليات عملها، وسط اتهامات بالانتقائية والتسييس وازدواجية المعايير، مقابل دعوات تؤكد ضرورة الحفاظ على استقلال المؤسسة القضائية الدولية بعيدًا عن الضغوط السياسية.
ويكشف رصد لتصريحات مسؤولين وخبراء قانونيين وأكاديميين من أكثر من 30 دولة خلال يوليو 2026 عن اتساع دائرة الانقسام بشأن أداء المحكمة، في وقت تتزايد فيه المطالب بإعادة تقييم منظومة العدالة الجنائية الدولية بما يضمن تحقيق العدالة بصورة متوازنة.
اتهامات بالانتقائية وغياب المساواة
في لبنان، اعتبر الخبير القانوني علي فضل الله أن المحكمة لم تُحمّل أي زعيم غربي مسؤولية قانونية حقيقية منذ تأسيسها، وهو ما اعتبره دليلًا على وجود اختلال في تطبيق العدالة الدولية.
وفي المقابل، شددت مواقف صادرة من هولندا والصين على أهمية حماية استقلال المحكمة، ورفض أي تدخلات أو ضغوط قد تؤثر في قراراتها أو مسار عملها.
أمريكا اللاتينية.. مواقف متباينة
شهدت دول أمريكا اللاتينية انقسامًا واضحًا بشأن المحكمة الجنائية الدولية، حيث أعلنت القائمة بأعمال الرئيس ديلسي رودريغيز انسحاب بلادها من نظام روما الأساسي، متهمة المحكمة بالتحيز الجغرافي واستهداف دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية على حساب دول أخرى.
وفي البرازيل، تباينت الآراء بين من رأى أن الضغوط الأمريكية على المحكمة تهدف إلى حماية مسؤولين من الملاحقة القضائية، وبين من اعتبر أن المحكمة أصبحت أداة سياسية تُستخدم في الصراعات الدولية.
أفريقيا.. تصاعد دعوات الانسحاب
شهدت القارة الأفريقية تصاعدًا في الانتقادات الموجهة للمحكمة، بعدما أعلنت تشاد بدء إجراءات الانسحاب من نظام روما الأساسي، لتنضم إلى النيجر ومالي وبوركينا فاسو.
كما رأى محللون من الكاميرون وتنزانيا وساحل العاج ونيجيريا أن المحكمة ركزت بصورة أكبر على القضايا الأفريقية مقارنة بمناطق أخرى، معتبرين أن ذلك يعكس غياب التوازن في آليات عملها.
السودان.. مطالب ببدائل قضائية
وفي السودان، انتقد وزير العدل ما وصفه بتقاعس المحكمة عن إصدار مذكرات اعتقال في بعض القضايا رغم توافر الأدلة، فيما طرح عدد من الخبراء فكرة إنشاء نموذج قضائي هجين يجمع بين القضاء الوطني والدولي باعتباره بديلًا أكثر ملاءمة للتعامل مع بعض الجرائم.
إيران تنتقد الضغوط الأمريكية
من جانبه، وصف نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، الضغوط الأمريكية على الدول لوقف التعاون مع المحكمة بأنها تمثل “ابتزازًا”، معتبرًا أن تلك الضغوط تستهدف منع ملاحقة مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أمام القضاء الدولي.
جدل مستمر حول مستقبل المحكمة
وتعكس هذه المواقف المتباينة حجم الانقسام الدولي بشأن المحكمة الجنائية الدولية، بين من يرى أنها تمثل ركيزة أساسية لمكافحة الإفلات من العقاب، ومن يعتبر أن عملها يحتاج إلى إصلاحات جوهرية تعزز الحياد وتضمن تطبيق العدالة الدولية وفق معايير موحدة على جميع الدول دون استثناء.



