ضمن سلسلة “قصر العيني 200 عام”.. قصة عالم مصري صنع مجده بالعلم وحمل اسم مصر إلى المحافل الدولية قبل أكثر من 150 عامًا.
في سجل قصر العيني الحافل بالرواد والعظماء، تبرز سيرة الأستاذ الدكتور عيسى حمدي باشا باعتبارها واحدة من أكثر قصص النجاح إلهامًا في تاريخ الطب المصري، إذ جسّد نموذج الطبيب الوطني الذي صنع مكانته بالعلم والاجتهاد، حتى أصبح من كبار أطباء عصره، وثالث مدير مصري لمستشفى قصر العيني، في مرحلة كانت تشهد فيها مصر نهضة علمية غير مسبوقة.
وُلد عيسى حمدي عام 1843 بقرية ستينية التابعة لمركز شربين بمحافظة الدقهلية، وبدأ رحلته مع الطب في سن الرابعة عشرة، حيث ظهرت موهبته المبكرة في الجراحة الصغرى، فتتلمذ على يد الجراح البارع محمد بك فوزي، واكتسب منه خبرات عملية أهلته ليصبح من أكثر الشباب تميزًا في هذا المجال.
وفي عام 1860، عُيّن مساعدًا للجراحة الصغرى بإسبتالية السعيدية براتب بلغ 150 قرشًا، ثم ارتفع إلى 200 قرش بعد أن لفتت مهارته أنظار السراي الخديوية، وهو راتب كان استثنائيًا في ذلك الوقت.
وأمام هذا التميز، حصل على فرصة نادرة للالتحاق بمدرسة الطب مع الاحتفاظ براتبه، في حين كان أغلب الطلاب يتقاضون نحو 30 قرشًا فقط. وخلال سنوات الدراسة، حافظ على صدارة دفعته، حتى وافقت إدارة المدرسة على طلبه أداء امتحاني السنتين الرابعة والخامسة معًا، فاجتازهما بتفوق لافت.
وجاء عام 1865 ليشهد اختبارًا حقيقيًا لقدراته، مع تفشي وباء الكوليرا في مصر، حيث عُيّن مساعدًا للدكتور سالم باشا بسراي المنيل، وشارك في علاج والدة الخديوي إسماعيل وعدد من أفراد الأسرة الحاكمة، وأثبت كفاءة كبيرة في التعامل مع الحالات الحرجة، قبل أن يتخرج في العام نفسه من مدرسة الطب بتفوق، تحت رئاسة الأستاذ الكبير محمد علي باشا البقلي.
رحلة باريس… حيث أبهر أساتذة أوروبا
وفي عام 1866، أوفدته مصلحة الصحة في بعثة حكومية إلى فرنسا للتخصص في الأمراض العصبية، وهناك بدأت مرحلة جديدة من التألق العلمي.
وخلال سنوات دراسته في باريس، نال إعجاب كبار أساتذته، حتى وصفه أحدهم بأنه لا مثيل له بين آلاف الطلاب الذين أشرف عليهم، بينما أكد مدير البعثة أن ملاحظته الوحيدة عليه كانت الإفراط في العمل والدراسة.
وتلقى علومه على يد نخبة من كبار علماء فرنسا، وفي مقدمتهم العالم الشهير كلود برنار، أحد مؤسسي علم وظائف الأعضاء الحديث، إلى جانب أبرز أساتذة الطب الإكلينيكي في أوروبا.
وفي عام 1870، اجتاز بنجاح مسابقة مستشفى الجيش الفرنسي، ليُعيَّن ضابطًا طبيبًا مساعدًا أول بالجيش الفرنسي أثناء حرب السبعين، في إنجاز غير مسبوق لطبيب مصري في ذلك العصر.
ولم يتوقف تألقه عند هذا الحد، ففي عام 1873 حصل على درجة الدكتوراه عن رسالته العلمية حول تأثير مادة النوشادر في علاج الروماتيزم المفصلي الحاد، وهي درجة كانت تُمنح لنخبة محدودة للغاية من الباحثين، حتى وُصفت آنذاك بأنها رتبة “واحد في الألف”، كما حظيت رسالته باهتمام واسع في الأوساط الطبية الفرنسية.
العودة إلى الوطن… وبناء مدرسة مصرية رائدة
عاد عيسى حمدي باشا إلى مصر عام 1874، مزودًا بأحدث ما وصل إليه العلم في أوروبا، ليبدأ مرحلة جديدة من العطاء داخل قصر العيني، حيث أسهم في تطوير التعليم الطبي والممارسة الإكلينيكية، حتى أصبح لاحقًا ثالث مدير مصري لمستشفى قصر العيني.
وجسد طوال مسيرته نموذج الطبيب المصري الذي جمع بين التميز العلمي، والخبرة العملية، والانضباط المهني، وأسهم في ترسيخ مكانة قصر العيني كمنارة للطب والتعليم والبحث العلمي في الشرق الأوسط.
قصر العيني… مصنع العظماء
وتؤكد سيرة الدكتور عيسى حمدي باشا أن قصر العيني لم يكن مجرد مستشفى أو كلية طب، بل كان ولا يزال مصنعًا للعقول المصرية التي حملت راية العلم إلى العالم، وأسهمت في بناء النهضة الطبية الحديثة.
ومع اقتراب مرور 200 عام على تأسيس هذا الصرح العريق، تبقى هذه النماذج المضيئة شاهدًا حيًا على أن قصر العيني كان وسيظل أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، ورمزًا للريادة العلمية التي صنعت لمصر مكانتها الطبية إقليميًا ودوليًا.

