كتبت سلمى أرباب
هل سألتني يوماً..؟؟
كيف استطعت الصمت عندما مر المحبين على ندباتي؟ كيف كتمت الألم عندما اعتصروا جرحي حتى نزفت روحي دماءً من وجع؟ لكنك سألتني مراراً وتكراراً كم من العابرين مر في حياتك من قبلي.. كم كانت الإجابة عليك ترهقني، لكنني على عكس ما يراه الناس افتخرت دوماً بعدد من مروا بي واستطعت المرور بدونهم، لم أعطِ حياتي لشخص لا يستحق، ولم توهب ثقتي لنفس الشخص مرتين. كنت ومازلت أنثى استثنائية، قوية في حضوري ومهيبة عند الغياب، إن دفعني أحدهم لقرار الرحيل أرحل ولا أبالي بالحرائق خلفي. أنا التي خرجت من رحم القسوة لأكون أحن امرأة يمكن أن تصادفها، أنا اليوم سأعتلي المسرح وأقدم لك نفسي من جديد؛ مثلي لا تخجل من ماضيها، لقد صنعت من الحطام امرأة ناضجة، ربتت على كتف نفسها كل ليلة أمام مرآتها فلم تلوَ ذراعها لمن يلملم شتات روحها. خاطت من خذلانها رداء الفراق لترتديه وقتما يستوجب عليها ارتداءه فلم يبقِها دفء قلب سوى قلبها، انتزعت زجاجاً تسبب في ندباتها لتصنع منه بريق عينيها. امرأة عندما كسر الطلاق ظهرها وقفت بدعامة من خيزران فضلاً عن الانحناء لمن كسرها، أنا هنا الآن بمفردي أقف بعد حصاد الخيبات والصدمات لأجاوبك كم عابر مر في حياتي، كم من أشباه الرجال تركت خلفي لأكون أمام عينيك كل النساء، لأستطيع احتواءك وتصل معي لشعورك بالاكتفاء. فلا تسأل يا حبيبي كم عابر مر من هنا، بل اسأل من تركوا الأبواب مفتوحة ليمر من هنا الغرباء.. اسأل من جعلوني أبحث عن الأمان والاتزان خارج حدود الأمان، واشكر معي الله الذي وهبني القوة لقول “لا” عندما كانت كل الظروف تدفعني لـ “نعم”. امرأة مثلي عبرت بمفردها من الظلام تستحق الاحترام، أنا لست مجالاً لسخريتك و تساؤلاتك.
صرخة تعافٍٍ: “من أنقاض الماضي إلى وعي الحاضر”
إن هذه الصرخة الوجدانية في وجه المساءلات المتكررة عن الماضي ليست مجرد دفاع عن النفس، بل هي إعلان صريح عن التعافي الذاتي وإعادة التأطير المعرفي للتجربة الإنسانية؛ فعلم النفس يخبرنا أن الخيبات المتلاحقة إما أن تكسر الروح أو تصنع منها نسخة أصلب عوداً. والمفارقة النفسية الكامنة هنا ، هي أن قدرة هذه المرأة على العطاء و الإحتواء اليوم هي نتاج تلك المعارك الصامتة التي خاضتها بمفردها أمام مرآتها ، حيث رفضت أن تكون ضحية لماضيها ، بل جعلت من كل عابر مر بها حجر أساس لبناء وعيها الحالي ، لتعطي لـ “نعم” التي تمنحها اليوم قيمة حقيقية لا تزييف فيها.
المقارنة النفسية: الطلاق بين “نهاية العالم” و”الانبعاث من جديد”
ومن رحم هذه التجارب، تأتي صدمة الطلاق كاختبار حقيقي للبنية النفسية؛ فالإنفصال ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو تفكيك لهوية عاطفية وبناء كامل. وهنا ينقسم رد الفعل النفسي بين امرأة يكسر الطلاق روحها، فترى فيه نهاية العالم و تستسلم لزوايا الحزن المظلمة معتبرة نفسها ضحية لواقع فرض عليها الانكسار، وفي المقابل، تبرز تلك المرأة الاستثنائية التي رفضت استجداء الشفقة أو الانحناء لمن كسرها، وصنعت لنفسها دعامة من خيزران، ذلك النبات الذي يمتلك مرونة مذهلة تنحني مع العاصفة لكنها لا تنكسر أبداً، بل تعود لتقف شامخة فور إنثنائها. إن هذا النوع من النساء لا يرى في الانفصال وصمة عار، بل محطة تفتيش واكتشاف للذات، تخرج منها برأس مرفوع، ممتنة للقوة الكامنة التي اكتشفتها في نفسها.
الوعي بالاختيار: “عندما تقرر الناجية الحب للمرة الأولى والوحيدة بوعي تام”
لأجل هذا كله، لا تعود المرأة بعد حصاد الخيبات إلى ساحة الحب بذات العفوية الساذجة، بل تدخلها برادار نفسي شديد الحساسية، حيث لا يحرك الإختيار هنا احتياج عاطفي أو خوف من الوحدة ، بل يحركه النضج التام والمعرفة الدقيقة بما تريده ، والأهم ، بما لا يمكنها قبوله أبداً. لذلك ، عندما تختار رَجُلُهَا وشريك عمرها الحقيقي لتكمل معه طريقها ، فإنها لا تفتح فصلاً جديداً في كتاب قديم ، بل تبدأ معه التاريخ الحقيقي والوحيد لعواطفها ، وتمنحه مكانة حصرية لم يسبق إليها بشر ، مصفّاة من شوائب الماضي ومخلفات العابرين الذين كانوا مجرد مسودات صقلت صلابتها. أما رَجُلُهَا فهو الوحيد الذي حظي بامرأة كاملة ، يتربع وحده على عرش حاضرها ومستقبلها كاختيار أول ، وأخير ، ووحيد.
“رجل العمر على ضفة الإكتفاء التي لا يصل إليها العابرون أبدا”
وأمام هذه المكانة الحصرية ، يتوجب على رَجُلُهَا أن يقابل هذا النضج باحتواء يوازيه رفعة و عمقاً ، فيدرك دون أن يسأل أن المرأة التي بين يديه اليوم – بحنانها الجارف وقوتها المهيبة – هي نتاج معارك انتصرت فيها بمفردها ، وأن تاريخها ليس ساحة للمساءلة ، بل رحلة تُحترم كرامة تفاصيلها. لزاماً عليه أن يقدم لها الأمان كفعل حيّ ملموس يتجلى في المواقف و الوضوح ، فامرأة عبرت الظلام بمفردها لن يغريها الكلام المعسول. إن الرجل الذي يستحقها هو من يستوعب قوتها وصلابتها دون أن يشعر بالتهديد في رجولته ، بل يرى في تلك الصلابة درع حماية لهما معاً ، مقدراً أنها عندما قررت احتواءه والوصول به إلى ضفة الاكتفاء ، لم تفعل ذلك من موضع ضعف ، بل من موضع حب كرميٍّ خالص تقوده أنثى استثنائية ، لا تبحث فيه عن عكاز تتوكأ عليه ، بل عن رفيق درب وسكن روحي، يبادلها الاحترام بالاحترام، ويسير معها نحو غدٍٍ صُنع بكل كبرياء.

